التاريخ: شباط ٢٨, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
عن العلاقة بين الخطاب الأخلاقي وأزمة السلطة - وحيد عبدالمجيد
ظلّت قضية مسؤولية سلطة الدولة عن تشكيل أخلاق الناس مطروحة في العصر الحديث، على رغم كل ما حملته القضية من تقدّم في كثير من مجالات الحياة. فقد بقيت المعاني، المتضمنة في أفكار تعود الى عصور سابقة، عن دور السلطة أو أجهزتها الدينية في تربية الناس على «الفضيلة»، مؤثرة في المجتمعات المتخلّفة والأقل تقدّما خصوصاً. فكلما تقدم المجتمع، أصبحت منظومة قيمه أكثر حداثة، وصار التمييز بين المجال العام والحيز الخاص للإنسان أقوى. وكلما ازدادت ضمانات احترام الحيز الخاص، قلت إمكانات تدخل السلطة في أخلاق الناس والمجتمع. عندئذ، تغدو الأخلاق جزءاً من الحيز الخاص، على رغم أنها ليست منبتة الصلة بالمجال العام من حيث تشكّلها عبر تفاعل بين الفرد وبيئته الاجتماعية والثقافية.

لكن الأمر ليس كذلك في البلاد التي لم تعرف من العصر الحديث إلا قشوره، فتظل سلطة الدولة قادرة على استخدام مسألة الأخلاق وإنتاج خطابات وعظية في شأنها لأسباب تختلف من حال الى أخرى، لكنها ترتبط عادة بأوضاع مأزومة أو مصالح مبتغاة.

ويغيب في أحيان كثيرة، درس تاريخي يفيد بأنه ليس في إمكان السلطة أن تغير أخلاق المجتمع الى الأفضل عبر إجراءات تتّخذها أو مواعظ تنشرها. لكن في استطاعتها، إذا أرادت أداء واجباتها الأساسية في قيادة المجتمع إلى التقدّم، أن تعمل لتحقيق تنمية مستدامة يساهم الناس فيها ويتفاعلون مع معطياتها، ومن ثم يتطورون معها ثقافياً واجتماعياً، كما اقتصادياً وسياسياً، وبالتالي أخلاقياً.

هذا الأثر الإيجابي للتنمية يتطلّب مجالاً عاماً حراً ومفتوحاً في إطار نظام ديموقراطي، لكي تتيسر للناس سبل المشاركة التي تساهم في تسريع معدلات التفاعل بين معطياتهم الثقافية الاجتماعية وظروفهم المادية. وهذا يفسر لماذا فشلت بجدارة محاولات كل سلطة تخيلت أن في إمكانها تغيير البشر، أو إعادة تشكيلهم وفق مثال معين مستمد من أديان أو قيم أخلاقية أو أيديولوجيات شمولية.

وهكذا يمكن أن نفهم مثلاً، مغزى قول الإمام محمد عبده، عندما احتكّ بالغرب في نهاية القرن التاسع عشر، أنه وجد «مسلمين بلا إسلام»، ويعني ذلك أن أخلاق الناس ترتبط بظروفهم الموضوعية أكثر مما بعقائد أو مواعظ أخلاقية لم يكن هناك أكثر منها في مصر. ومع ذلك، لم يجد فيها عبده «الأخلاق الإسلامية» التي لاحظها في أوروبا.

وربما لم يتخيل من ظنوا أن سلطة الدولة تُمكِّنهم من نشر «أخلاق اشتراكية»، أو بناء ما أسموه «إنساناً اشتراكياً»، أن مقصدهم سيتحقق في شكل ما في النظام الرأسمالي نتيجة التفاعل الحر الذي يدفع أثرياء إلى التبرع بمعظم ثرواتهم لأغراض اجتماعية إنسانية وعلمية وتعليمية وصحية.

لكن استمرار تدخل سلطة الدولة في الحيز الأخلاقي الخاص لا يعود الى عدم استيعابها دروس هذا التاريخ فقط، لكن لأن المصالح التي تحميها تدفعها إلى ذلك. فما علَّمنا التاريخ إياه أيضاً أن «حراس» الأخلاق، الذين حاولوا تجميد اللحظة التاريخية وجعلها أبدية، إنما كانوا حراساً لمصالح غلَّفوها بغلاف أخلاقي.

ويزداد ميل سلطة الدولة إلى تقمّص دور «حارس» الأخلاق كلما احتدمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وذلك سعياً إلى تفريغ هذه الأزمات من محتواها والإيحاء بأنها ناتجة من أزمة أخلاق وضمير، وبالتالي تحميل المجتمع المسؤولية عن فشل السلطة في معالجتها.

فالصبغة الأخلاقية للسلطة تؤدي في كثير من الأحيان وظيفة سياسية تهدف إلى إعفائها من مسؤوليتها عن الأزمات التي تضرب البلاد، فيصبح الفقر والتهميش والبطالة والفساد والاستغلال وانهيار التعليم وتدني الخدمات وغيرها، مجرد نتائج لأزمة ضمير وأخلاق.

ويمكن ترويج هذا الخطاب الأخلاقي حين يكون مستوى الوعي العام محدوداً. كما يساهم هذا الخطاب في خفض مستوى الوعي أكثر، وإضعاف معنويات المجتمع لكي يقبل راضياً أوضاعاً بائسة يعتقد الناس أنهم شركاء في إنتاجها وليسوا ضحاياها.

كما تزداد إمكانات ترويج الخطاب الأخلاقي في حال وجود سلطة ذات طابع أبوي يتعاطى رأسها مع الناس بوصفهم أبناء وليسوا مواطنين، وبالتالي يصبح نقد أحدهم هذه السلطة في مثابة إساءة أدب وليس ممارسة ديموقراطية.

وعلى رغم أن فترة حكم أنور السادات ( 1971 - 1981) الذي أعطى نفسه لقب «الرئيس المؤمن»، وأصدر قانوناً أسماه «حماية القيم من العيب»، هي الأكثر تجسيداً لهذه الحال، تشهد الفترة الراهنة بعض أهم ملامحها في صورة أخرى. فقد توسع بعض أجهزة السلطة في استخدام الخطاب الأخلاقي في شكل ملحوظ، وملاحقة من يراهم خارجين على الأخلاق أو الدين.

لذلك، لم يستغرب إلا القليل أن ينتهي مجلس علماء مصر وخبرائها (مجلس تخصصي رسمي) في اجتماع عقده في آخر تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، إلى توصيات بينها «إنشاء لجنة لتنمية الضمير والأخلاق» عوضاً عن وضع خطة لإنقاذ البحث العلمي مثلاً. وقل مثل ذلك عن رعاية الحكومة ممثلة بوزارة الشباب، مشروعاً عنوانه «أخلاقنا» يقوده رجال دين و «دعاة».

وأصبح «خدش الحياء» و «ازدراء الأديان» و «نشر الرذيلة» و «انتهاك حرمة الآداب» اتهامات متكررة وكافية لحبس من يلاحقون بها عبر تفعيل مواد قانونية منبتة الصلة بالعصر الحديث، ومتعارضة مع نصوص واضحة في دستور مصر الحالي. وكان آخرهم حتى الآن، الروائي أحمد ناجي الذي أودع السجن الأحد الماضي، بتهمة «خدش الحياء»!

كما توسعت الحكومة في استخدام نقابات مهنية لتقييد حرية الإبداع الفني، إذ منحت مجلسي نقابتي المهن الموسيقية والمهن التمثيلية صفة «الضبطية القضائية» لممارسة دور يناقض مسؤوليتهما عن حماية هذه المهن، بدعوى «ضبط الأخلاق» أو «منع دخول قلة الأدب إلى البيوت»! والضحية الأخيرة لهذا التقييد حتى الآن، فرقة لم يدرك من قرر منعها من تقديم عرض فني، الفرقَ بين موسيقى «الميتال» وما أسماه «عبادة الشيطان»!

غير أنه في الوقت الذي تستخدم بعض أجهزة السلطة هذا الخطاب الأخلاقي لدغدغة مشاعر البسطاء وملاحقة نشاطات فنية وأعمال أدبية واجتهادات مُنيرة دينياً، على نحو يمتزج فيه تضييق المجال العام بتدخل في الحيّز الخاص للفرد، يرتكب بعض أشد أنصار هذه السلطة في الإعلام المرئي انتهاكات أخلاقية حقيقية وفادحة على الهواء من دون مساءلة أو محاسبة.