التاريخ: آذار ١٣, ٢٠١٦
المصدر: جريدة الحياة
أوباما إلى هافانا متحرراً من «عبء الحرية» - وحيد عبدالمجيد
كان ممكناً أن تُعد زيارة الرئيس باراك أوباما إلى هافانا في الأسبوع المقبل، تاريخية بحق. لكنها تأتي في سياق تخلّي إدارته عن كل ما يتعلق بقضية الحرية في العالم، وانفتاحها على ديكتاتوريات متنوعة في أنحائه.

أعطى أوباما ذو الخلفية الليبرالية، ومن حيث لم يقصد، «صدقية» زائفة لسياسة «المحافظين الجدد»، عندما خلط بين رفض المغامرات العسكرية في الخارج وإسقاط مبدأ الحرية أو وضعه في هامش قصي. وهو يقدم الآن دليلاً جديداً على البؤس التاريخي لليبرالية الأميركية التي ظلت محصورة في أوساط ثقافية وفكرية، ولم تؤثر في النخبة السياسية والحزبية إلا قليلاً.

وربما يعود ذلك إلى التطور التاريخي الذي قطع بين القيم التي أرساها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة في دستورها ونظامها السياسي، واتجاهات سياستها الخارجية. فقد أُرسيت تلك القيم حين لم يكن الأميركيون مهتمين بالعالم. ولم تجد الليبرالية الأميركية ما يستوجب أي نقد للظاهرة الاستعمارية حينما اجتاحت العالم بدعوى تحديثه تحت شعار «عبء الرجل الأبيض». ولم يدع أي ليبرالي أميركي، بخلاف قليل من الليبراليين الأوروبيين، لأن تكون هذه المهمة نشر الثقافة الديموقراطية، أو ما سماه بعضهم «عبء الحرية»، وليس إخضاع الشعوب بما يقود الى نشر ثقافة قومية ودينية متطرفة. ولم تهتم الليبرالية الأميركية تاريخياً بمسألة الحرية إلا حين فرضت مصالح الولايات المتحدة ذلك. وعندها، تساوى الليبراليون والمحافظون وغيرهم.

وحتى عندما أعلن الرئيس وودرو ويلسون انتصاره لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها غداة الحرب العالمية الأولى، أغلق أذنيه عندما ناداه قادة بعض حركات التحرر الوطني للعمل لتطبيق هذا المبدأ في البلدان الخاضعة حينها للاستعمار. وكان بينهم الزعيم المصري سعد زغلول، الذي سرعان ما أدرك أن ويلسون ليس جاداً. فقد كانت سياسته الفعلية، كغيره من الرؤساء الأميركيين حينذاك، غير مبالية بمسألة الحرية في العالم، وخاضعة لمصالح دفعت إلى ممارسات ضدها في أميركا اللاتينية.

فقد تعاطت واشنطن مع هذه المنطقة بوصفها «حديقة خلفية» يحق لها أن تفعل فيها ما تشاء، فأطاحت حكومات لم تساير مصالحها، ونصَّبت جنرالات دمى عبر انقلابات عسكرية بعضها دموي.

وهذا هو سبب عدائها الطويل للنظام الشيوعي في كوبا، وليس كونه استبدادياً شمولياً. فكان «نموذج» الحاكم الطاغية هو المفضل للولايات المتحدة لعقود طويلة، لكن حين يكون حارساً لمصالحها.

لذلك، كان مثيراً للسخرية اتهام إدارات أميركية متوالية فيديل كاسترو بأنه قتل معارضيه وطاردهم، فيما كانت «سي آي إيه» متورطة في دعم انقلابات عسكرية ومساندة ديكتاتوريات لا تقل شراسة في بلدان قريبة من كوبا. ولم يكن ثمة فرق في هذا المجال بين كاسترو والجنرال بينوشيه مثلاً. لكن الفرق كان في موقف كل منهما تجاه المصالح الأميركية.

ومع خروج واشنطن من وراء أسوار العزلة التي انتهجتها لأكثر من قرن ونصف قرن، صار التناقض بين قيم نظامها السياسي، وتوجهات سياستها الخارجية، عالمياً. وأُثير نقاش مهم حول العلاقة بين المصالح والمبادئ (مبدأ الحرية بالأساس) في السياسة الخارجية، لكن المصالح ظلت طاغية.

فقد توسعت واشنطن منذ أواخر الأربعينات، في سياسة دعم الديكتاتورية، بينما كان بعض قادتها يتشدّق بقيم الحرية. ولم تكن هذه الحرية إلا الشعار الملائم لخوض المعركة ضد الاتحاد السوفياتي وحكومات الدول التي قبعت خلف ستاره الحديدي.

وعلى رغم أن هذه السياسة المساندة للطغيان تغيّرت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره ونموذجه، لم يكن هذا التغير شاملاً. ومع ذلك، بدت الفترة التالية لتلك الحرب استثنائية. فخلالها، صارت قضية الحرية في العالم ضمن أهداف السياسة الخارجية الأميركية، لكن مغامرات «المحافظين الجدد» أدت إلى إخفاقات ساهمت في الارتداد الراهن.

ويشمل هذا الارتداد إعادة إنتاج سياسة دعم الديكتاتورية، لكن في صورة ضمنية وليست سافرة. ويظهر ذلك، أكثر ما يظهر، في التحول الجوهري في واشنطن تجاه الأزمة السورية بدعوى مواجهة الإرهاب أولاً. فأهم ما يعنيه هذا التحول، تفريغ النضال ضد الطغيان من محتواه، والتهوين من شأن قضية الحرية.

اختار أوباما أن تكون محاربة الإرهاب هي القضية، على رغم إدراكه الذي عبّر عنه مرات، أن نظام الأسد هو «المغناطيس» الجاذب للإرهاب. وتضاءلت لديه قضية حرية الشعب السوري حتى بالمقارنة مع قادة غربيين آخرين مثل فرنسوا هولاند وديفيد كامرون. وفي ظل هذا الاختيار، يبدو بشار الأسد الذي تقطر الدماء من يديه، كما لو أنه أصبح صاحب «قضية»، فيما يصير رجل كرياض حجاب لم يتحمل ضميره المشاركة في سفك هذه الدماء، وأمثاله، عوائق أمام إنجاز استحقاقات «القضية» ما لم يقبلوا الذهاب إلى جنيف راضخين لـ «الأجندة» الروسية. وتنطوي هذه السياسة على دعم ضمني للنظام الأكثر دموية في العالم اليوم.

لكن مساندة أوباما للطغيان ليست ضمنية في كل الأحوال. فقد اختار أيضاً أن يقدم المساعدة العسكرية الجادة الوحيدة في سورية لـ «ميليشيا» حزب متطرف عرقياً ولا يختلف بعض ممارساته عن التنظيمات الإرهابية، وهو حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي الذي لا يشبه في شيء الحزب الديموقراطي الكردستاني في العراق، على رغم التشابه في اسميهما. وتدلّ على ذلك ممارسات سلطة هذا الحزب في المناطق التي أعلنها إدارات ذاتية بدعم أميركي وروسي كامل.

وهكذا يكتب أوباما صفحة جديدة في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية مع الطغيان. وهو يحاول التستر وراء روسيا في هذا المجال، لكن من دون ذكاء كاف. لذلك، فهو يبدو لبعض المراقبين مُروِّجاً لخطط الرئيس بوتين، ولبعض آخر منهم مُبرِّرا لسياسته. فإذا رغب الكرملين في «وسيط دولي» منحاز الى نظام الأسد، أو أقله لا يرى (بخلاف سابقيه عنان والإبراهيمي) بديلاً عنه، فليكن ستيفان دي ميستورا الذي يتبين يوماً بعد يوم أنه ذلك الرجل. وإذا قرر الكرملين مثلاً، محو اسم «هيئة المفاوضات العليا» من مسودة قرار مجلس الأمن 2268 قبيل التصويت عليه في 28 الشهر الماضي، انصاع البيت الأبيض.

ورئيسٌ هذه سياسته لا يمكن أن يحمل على عاتقه «عبء الحرية»، أو حتى يحاول أن يقنع الآخرين بذلك، عندما يتوجه إلى هافانا أو غيرها.