التاريخ: آذار ٢٤, ٢٠١٦
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
الغرب على مفترق طرق - صلاح أبوجوده
تثير ردود الفعل السياسية على العمليات الإرهابية في الغرب عمومًا وأوروبا تحديدًا، ومنها القانون الذي أقرته الجمعية العمومية الفرنسية بتاريخ 10 شباط 2016، القاضي بسحب الجنسية من المواطنين المزدوجي الجنسية إذا دينوا بالإرهاب، مسألةَ إشكالية معاصرة تتجاوز نتائجها الفكرية والسياسية الإطار الغربي، ألا وهي التعددية الثقافة.

لقد تطور مفهوم التعددية الثقافية بتشعبات صيغه الحديثة أساسا في ثمانينات القرن الماضي، بسبب تغييرات لحقت بطريقة فهم جماعات المهاجرين نفسها في المجتمعات الغربية عموما والأوروبية تحديدا، وبنظرة السياسيين الغربيين إلى تلك الجماعات، وما تبع ذلك من تطوير أفكار فلسفية واجتماعية وسياسية لمعالجة التحديات التي تفرضها تلك الجماعات. وبغية فهم جدة تلك التغييرات ووقعها الاجتماعي والسياسي، من المهم التوقف بدايةً على التحول الذي حصل عند نشأة الدولة الوطنية في أوروبا، بصفتها الأرضية التي نشأت فيها التعددية الثقافية.

لقد أرست عمليات التوحيد الوطنية الكبرى في أوروبا القرن التاسع عشر، وبوجه خاص توحيد ألمانيا وإيطاليا، أسس الدولة الوطنية التي ابتعدت بتزايد عن تركيبة النظام السياسي التقليدي الذي ساد طوال القرون الوسطى، وتمثل بأقطاب ثلاثة: الإقطاعية والسلطة الكنسية والإمبراطورية. وبالرغم من أن فكرة توحيد أوروبا بقيت حية في الفكر السياسي الأوروبي منذ القرن الثامن عشر، فإن ما أخذ يسود بوتيرة تصاعدية كان العنصر الإتني (بوجهه اللغوي والثقافي أكثر من وجهه العرقي والديني)، وعنصر الجغرافيا السياسية (المساحة الجغرافية الخاضعة لسيادة الدولة)، وما تولَّد عنهما من شعور وطني متنامٍ جعل من حب الوطن والإخلاص له الخير العام بامتياز. وبصرف النظر عما إذا كان تطابق الأمة والدولة عملاً إراديا (تبعا للمدرسة الفرنسية) أو طبيعيا (بحسب المدرسة الألمانية)، فإن التيارات السياسية والفلسفية السياسية الأساسية التي شغلت أوروبا حتى مطلع القرن العشرين قد انطبعت به، وبدت دومًا تراوح بين الوطنية (والوطنية المتشددة في بعض الأحيان)، والشمولية التي تبحث عن تكييف مع فكرة الوطنية.

لم تعد طبيعة الروابط في المجتمع المدني والسياسي الحديثَين إذاً قائمة على روح الانتماء إلى المجموعات الدينية والإقطاعية أو العائلية التقليدية، بل تحولت إلى طبقية اجتماعية واقتصادية صاغت المشهد الاجتماعي والسياسي الأوروبي؛ فبرزت الاتحادات العمالية وأحزاب اليمين واليسار أو، بتعبير آخر، النزعة الليبرالية والنزعة الاشتراكية؛ نزعة أولى حافظت على روح الانتماء الوطني ونادت بحقوق الفرد وتبادل الأفراد الحر، ونزعة ثانية نادت بتفضيل الخير العام على المصالح الخاصة الفردية.

في هذا الإطار الذي انطبع بأجواء الحرب الباردة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم يطرح المهاجرون الأجانب في الغرب عموما وأوروبا تحديدًا أسئلة ومشاكل تتصل بالتعددية الثقافية، بل اتصلت بظروف عملهم بصفتهم قدِموا عمالاً إلى المجتمعات الغربية، وبالتالي اكتسبت إقامتهم طابعًا مؤقتًا، إذ بدت متوقفة على حاجة سوق العمل. ولا بد من التمييز في هذا السياق بين المهاجرين العمال والأقليات الوطنية أو الثقافية المتأصلة في مناطق محددة التي كانت تنادي منذ عقود طويلة ولا تزال بحق تقرير المصير. ذلك أن تبدل وضع المهاجرين العمال المشتتين جغرافيًا في بلدان الغرب بدأ يقرِّب تدريجيًا بين الوضعَين من نواح عديدة، كما برز لاحقًا في تطوير مفهوم التعددية الثقافية.

أخذ وضع المهاجرين بالتبدل عمليًا في ثمانينات القرن الماضي في وقت شهدت فيه العلاقات الدولية تغييرات درامية، بسبب وهن الاتحاد السوفياتي الذي أدى إلى سقوط حائط برلين في العام 1989، وانهيار الاتحاد نفسه في نهاية العام 1991، وتصاعد العولمة بوتيرة سريعة بدعم من قادة غربيين حينذاك أمثال مارغريت تاتشر ورونالد ريغان. لقد انطبع زخم العولمة بالليبرالية المطلقة التي ركزت على نظام اقتصادي عالمي جديد يقوم على "المنفعية" وتمثل بسياسة الأسواق المفتوحة. وبالتالي، انحسرت الليبرالية وليدة الحداثة التي انطوت على قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان، وانحسرت أيضا حالة الشد الحيوية بين الاشتراكية والليبرالية ضمن النطاق الوطني، ومعها تراجعت قوة الطبقات العاملة ومنظماتها المختلفة.

غير أن هذا الانحسار خلق فراغاً ًأيديولوجيًا سمح ببروز عاملَين اجتماعيَين فرضا نفسيهما على السياسيين والمفكرين الاجتماعيين والسياسيين الغربيين: الأول، التنبه إلى أن المهاجرين العمال قد أتوا إلى الغرب ليبقوا فيه، أي إدراك أن الظن بأن المهاجرين عمال ظرفيون ليس إلا وهمًا؛ والثاني، تنبه المهاجرين أنفسهم إلى أن التمسك بعاداتهم وتقاليدهم وأخلاقهم، والمطالبة بدور لهم في المجتمع المدني والسياسي انطلاقًا من وعيهم هويتهم المتجددة، أمران حيويان لاستمراريتهم في ظل الفراغ الأيديولوجي السائد. وقد ساهمت الصراعات الإتنية والقومية التي تبعت انهيار الاتحاد السوفياتي في بعض مناطق الاتحاد السابق، وبوجه خاص حرب البوسنة في تعزيز الهوية الجمعوية داخل المجتمعات الأوروبية، ولا سيما الهوية الإسلامية.

لم تتصرف حكومات الغرب وتحديدًا في أوروبا بطريقة مماثلة إزاء الواقع الجديد، نظراً إلى اختلاف أوضاعها الداخلية وخبراتها السابقة مع المهاجرين، غير أن سياساتها المختلفة أدت إلى نتيجة واحدة ألا وهي تثبيت المهاجرين في جماعات ثقافية أو دينية أو عرقية، وبالتالي عززت الشعور بالهوية الجمعوية. فالسياسات الحكومية التي راوحت بين النزعة الاستيعابية المتساهلة والنزعة التعددية المتشددة، خلصت إلى التعامل مع المهاجرين تبعًا لانتماءاتهم الجماعية، وليس انطلاقًا من نظام قيم الحداثة أو العمل السياسي الحزبي المألوف. ويبدو أن هذا التطور قد دفع إلى تعزيز موقع أحزاب اليمين المتطرف، وإلى تقديم بعضهم قراءات شبه خيالية عن صراع ثقافات، لعل أشهرها كتاب صموئيل هانتنغتون بعنوان "صراع الحضارات".

لقد حاول منظرو مفهوم التعددية الثقافية إيجاد مخارج لمأزق المجتمعات الليبرالية التعددية المستجد من خلال إدخال تعديل في نظام القيم الذي قامت عليه الليبرالية الحديثة، فسقطوا في فخ النسبية. ذلك أن البحث عن موضعة الأقليات العرقية أو الدينية داخل المجتمع، لم يجرِ انطلاقاً من التسليم بسواد ثقافة الغالبية وما تنطوي عليه من مبادئ الديموقراطية الليبرالية والهوية الوطنية، بل من خلال تطوير قيم مشتركة أو صيغ حكم تؤسِّس المجتمع على الاعتراف بقيم الأقليات المختلفة الأخلاقية والسياسية، ومطالبهم اللغوية والدينية، وتصويب نظام العدالة الاجتماعي بحيث تُعالج مظالم تلك الأقليات بصفتها جماعات وليس أفرادًا.

لقد أصبح المجتمع في ضوء مفهوم التعددية الثقافية بالتالي ما يشبه تجمع "مجموعات متمايزة". لم تعد الدولة إذاً نتيجة ثقافة معينة، بل المطلوب منها اتخاذ موقف الحياد الثقافي إزاء الجماعات المتعددة، وعدم تفضيل ثقافة على ثقافة أخرى. وفي الواقع، لا يُفضي هذا التوجه إلا إلى منع تفاعل الثقافات بحرية وبطريقة إيجابية، ويسمح بعودة هيمنة المجموعة على الفرد، ويقضي على دور الأحزاب التقليدي والفعال في العمل السياسي، بل وينهي فكرة المواطنية الحديثة نفسها وما تفترضه من ولاء للوطن ومشاركة على أساس مجموعة حقوق وفرص للجميع، فضلاً عن الخلط بين أقليات المهاجرين والأقليات الأصلية التي تطالب بحقوق تاريخية.

لقد ازدادت تلك الإشكالية حدة وتعقيدًا منذ أحداث 11 أيلول 2001، وبعد الأزمات المالية والاقتصادية الدولية عام 2008 التي أدت إلى الحد من اندفاع العولمة، وفي إثر مشاركة جهاديين غربيين في القتال في صفوف "داعش" ومنظمات إسلامية متطرفة في سوريا والعراق، وبوجه خاص بعد الاعتداءات التي طاولت مكاتب المجلة الفرنسية "شارلي إيبدو" في باريس في 7 كانون الثاني 2015، وتفاقم أزمة المهاجرين إلى أوروبا بسبب الحرب الدائرة في سوريا، واعتداءات باريس في 13 تشرين الثاني 2015، وأخيراً اعتداءات بروكسيل في 22 آذار 2016. وخلاصة القول إن إشكالية التعددية الثقافية،

في ضوء التطورات هذه، قد أصبحت من الماضي، فهل سيسقط الغرب في فخ الشعبوية واليمين المتطرف والإسلاموفوبيا أم سيجد صيغة تُعيد إنتاج قيم الحداثة الشمولية؟


أستاذ في جامعة القديس يوسف