|
أن يكلف برنار هنري ليفي نفسه بأن يرحل الى ميدان التحرير أيام الثورة، وأن يذهب بنفسه الى بنغازي، وأن يسعى بكل جهده لإقامة الاتصال بين الاليزيه وممثلين عن المعارضين الليبيين، وأن يحضر هو بشخصه لقاء الرئيس مع هؤلاء المعارضين، وأن يستبق هو الى الاعلان عما جرى أثناء المقابلة قبل أن يعلم وزير الخارجية الفرنسي نفسه بذلك، فأمور يمكن أن تُؤوّل على أنها تدخُل في باب فضول المثقفين و «حنينهم» الى السلطة والتقرب منها.
لكن أن يصرّح برنار هنري ليفي بعد ذلك، لأكثر من شاشة تلفزيونية، أن كل ما صدر عنه يدخل في اطار الخدمة التي يمكن أن يسديها المثقف اليوم لقضايا التحرر والديموقراطية، ويقول انه المسعى نفسه الذي سعاه في شأن قضية كوسوفو وفي الشأن الايراني، وأن تلك هي العلاقة التي يرتئيها هو بين المثقف والسلطة، فهذا ما يمكن أن يطرح أكثر من سؤال.
أساساً، لأن برنار ليفي معروف بما يكنّه للعالم العربي كافة، وللشعب الليبي على الخصوص، فهو آخر من يمكن أن تقض مضجعه أحداث مثل تلك التي تعرفها ليبيا، الا أن الأهم من ذلك هو الصورة التي يعطيها هو للعلاقة الممكنة بين المثقف والسلطة. اذ لا يتعلق الأمر مطلقاً بأن ينحت المثقف سلطة موازية للسلطة القائمة، ولا أن يأخذ هو نفسه مكان الحاكمين ويتكلم باسمهم، بل يستبقهم الى الكلام، ليس المطلوب أن يلتصق هو بمواقعهم، وإنما بالضبط أن يبتعد عنها، لا ابتعاداً مادياً فحسب، وإنما ابتعاداً معنوياً، هذا الابتعاد الذي يتخذ في هذه الحالة اسم «الموقف النقدي». فليست مهمة المثقف على الاطلاق أن يقوم بديبلوماسية موازية تنطق باسم جهة معينة زاعمة أنها تدافع عن الحقوق، بل الحقيقة. مهمة المثقف هي الفضح والنقد، وهذا لا يتأتى الا بأخذ المسافة والانخراط، لا في أسلاك ديبلوماسية وقنوات استخباراتية، وإنما في شبكات مقاومة تكشف عما اذا كان ما يزعم أنه الحق والحقيقة قد لا يكون كذلك. * كاتب مغربي
|