العولمة والهجرة والإرهاب. «ثالوث» تُجيد الأحزاب والحركات الشعبوية في كثير من الدول الغربية توظيفه تعبوياً. لا مكان في هذا الخطاب لـنقد النيو ليبرالية التي وظَّفت العولمة لمصلحة فئات اجتماعية محدودة في الغرب وغيره. العولمة مجردة، ومفصولة عن سياسات ارتبطت بصعود «النيو ليبرالية»، هي محور الخطاب الشعبوي، ومدخله الى شيطنة اللاجئين والمهاجرين، وتوعد الإرهاب بمصير أليم.
يرتكز هذا الخطاب على أن فتح الحدود في ظل العولمة أدى إلى ارتفاع معدلات الهجرة واللجوء، وازدياد خطر الإرهابيين. ولم يكن خطاب دونالد ترامب - المرشح في مؤتمر الحزب الجمهوري الصيف الماضي إلا مثالاً واحداً على ذلك. قال وقد اشتدت حماسته: «أعدكم بأن أكافح العولمة وأقاتلها».
خطاب يستثير مشاعر ملايين أنهكتهم النيو ليبرالية القاسية، ويصرف نظرهم في الوقت نفسه عنها، فهم لا يعون أنهم يصبون غضبهم على بؤساء مثلهم اضطروا للهجرة إلى بلادهم، وليس على من تسببوا بهذا كله بفعل سياسات استغلت العولمة، ولم تكن نتيجتها الحتمية.
بنية هذا الخطاب ولهجته مُصمَّمتان لكي يُحدث أثره في اجتذاب الباحثين عن مُنقذ، من دون معرفة ما الذي ينبغي إنقاذهم منه تحديداً. لا يفكر المنساقون وراء هذا الخطاب في حقيقته، ولا يسألون عن مغزى اتهام العولمة بأنها وراء تنامي الهجرة واللجوء اللذين سبقاها بعقود طويلة. كما ينسون أن لكثيرين من المهاجرين فضلاً عظيماً في نهضة الولايات المتحدة منذ تأسيسها، وفي تقدم كبريات الدول الأوروبية بدرجات متفاوتة. والحال أنه في ذروة سياسات إنعزالية اتُبعت في الولايات المتحدة لفترات طويلة قبل الحرب العالمية الثانية، كان المهاجرون يتدفقون عليها بخبراتهم وأفكارهم، وبأموالهم ومشاريعهم. وكانت شركاتها تُغري الطلاب الأجانب الموهوبين في جامعاتها للبقاء والعمل. وهذا ما فعلته دول أوروبية أيضاً.
يدق الاتجاه السائد في الخطاب الشعبوي على أوجاع حقيقية لدى فئات اجتماعية عدة أضناها بلوغ التفاوت في الدول الغربية أعلى معدل في التاريخ منذ أن أصبح قياسه بدقة ممكناً. لذلك لا يسأل ضحايا التفاوت عن مدى صدقية خطاب يلامس أوجاعهم، من دون أن يقترب من مصدر آلامهم. ولا يعنون بكشف ما ينطوي عليه من زيف، بل تزييف يبدأ باستهداف العولمة وتحميلها المسؤولية عما تفعله النيو ليبرالية لهم. ولا ينتهي التزييف بالربط التعسفي بين العولمة والإرهاب، وتجاهل آثار سياسات أميركية وأوروبية تواطأت مع نظم حكم متوحشة في الشرق الأوسط، وصمتت إزاء قمعها الذي جعل البنى الاجتماعية حاضنةً للتعصب ومنتجةً للتطرف. وهكذا يعاقب الرئيس ترامب شعوباً كاملة كان بعضها ضحية دعم الغرب حكاماً استباحوها، أو تواطؤه معهم، ثم الدوران دورة كاملة لإسقاط أحدهم (في العراق) من دون استعداد جاد مدروس لليوم التالي.
يغفل الاتجاه الغالب في الخطاب الشعبوي، إذاً، العاملين الأساسيين اللذين تسببا بالأوضاع المؤلمة التي يهدف إلى استغلالها: التفاوت الاجتماعي المهول الناتج من سياسات نيو ليبرالية، وتداعيات سياسات نظم عربية خلقت توترات إثنية حادة انفجرت، فازدادت معدلات اللجوء والهجرة، وتوسع خطر الإرهاب.
وما استهداف العولمة في هذا السياق إلا عمل من أعمال الحواة الذين يجيدون لعبة غلق أيديهم على أشياء ثم إخراجها من قبعاتهم وجيوبهم. وهذا ما يفعله من يستبدلون العولمة بالنيو ليبرالية، ويذهبون إلى أقصى مدى في تفريغ المفاهيم من محتواها. وعندئذ تبدو العولمة كما لو أنها سياسة يمكن قبولها أو رفضها، وليست مرحلة بلغها العالم بعد تراكم طويل أدى إلى سهولة انتقال السلع والخدمات، والأفكار والقيم، والعمال ورؤوس الأموال، بدرجة لم يعهدها التاريخ قبلاً. ويستغل مُصمّمو الخطاب الشعبوي دخول العالم مرحلة العولمة في الوقت الذي تفاقمت أزمات الليبرالية الكلاسيكية والاشتراكية الديموقراطية والاتجاهات المحافظة التقليدية، فوجدت النيو ليبرالية مجالاً مفتوحاً أمامها، وقدمت للفئات الاجتماعية الأقوى والأكثر نفوذاً نظريةً كانت تبحث عنها.
وفي نشوة الحماسة التي يخلقها هذا الخطاب، لا يلتفت المفتونون به إلى أن السياسات التي اتبعتها حكوماتهم في العقود الثلاثة الأخيرة لم تكن نتيجة العولمة، وأن بالإمكان انتهاج سياسات مختلفة تؤدي إلى تقليص التفاوت الاجتماعي والاستفادة من إيجابيات هذه العولمة في آن. لا يحتاج الرئيس ترامب مثلاً إلى كل هذا الصخب في هجاء العولمة، ولا إلى تبني سياسة حمائية، لكي يغير جدول أعمال الشركات الكبرى التي نقلت معظم أعمالها إلى خارج أميركا للاستفادة من الفرص الهائلة للتوسع والانتشار وزيادة الأرباح، إذا كان هذا هدفه الحقيقي. بإمكانه التفاوض بهدوء مع هذه الشركات لمراجعة أولوياتها الاستثمارية، سعياً إلى توفير فرص عمل أكثر في أميركا.
ويمكن للتفاوض كهذا أن يحقق نتائج أبعد من الصيغة التي لجأت إليها شركة «فورد» مثلاً لتجنب صدام معه، والحفاظ في الوقت نفسه على مكاسب يؤمّنها الاستثمار في المكسيك ودول أخرى. فقد صرفت الشــركة نظرها عن مشروع أثار ثائرة ترامب، وهو إنشاء مصنع جديد للسيارات في المكسيك بكلفة 1.6 بليون دولار. ولكنها ستـــنفق مثل هذا المبلغ أو أقل قليلاً في توسعة مصنعها الحالي لأنها لا تســتطيع تغيير خطة بدأتها لتحويل إنتاج السيارات الصغيرة المدمجة إلى المكسيك. وستستثمر في الوقت نفسه 700 مليون دولار إضافية في مصنع ميتشيغن الذي لم تكن تنوي نقله إلى الخارج، لأن خطتها تتضمن تطوير السيارات الكهربائية في مصانعها داخل الولايات المتحدة.
ومن المفارقات هنا أن قادة الصين «الشيوعية» أدركوا هذا الذي يتجاهله الشعبويون في قلاع الرأسمالية والحرية. لذلك حققت الصين في ظل العولمة تنميةً لم تكن ممكنةً قبلها، وتبنت سياسات للحد من توسع التفاوت الاجتماعي، وحققت ارتفاعاً متفاوتاً في مستوى حياة غالبية سكانها.
ومع هذه المفارقة، يبدو المشهد غريباً حين تتولى الصين مهمة الدفاع عن العولمة، فيما تحمل إدارة ترامب عليها، وتنسب إليها تداعيات السياسات النيو ليبرالية. وتعود المفارقة إلى تجنب معظم الشعبويين مهاجمة السياسات النيو ليبرالية لأنهم يتبنون الكثير منها داخل بلدانهم. كما أن للهجوم على العولمة سحراً يُحدث أثراً أسرع وأقوى لدى العامة مقارنة بنقد سياسات اقتصادية واجتماعية قد لا يلم كثير ممن يُراد اجتذابهم بأبعادها. |