التاريخ: نيسان ١٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
ثورة مصر وأحداث «ميدان التحرير» - طارق أبو العينين

نكأت الأحداث المؤسفة التي اندلعت في «ميدان التحرير»، وسط القاهرة، فجر التاسع من الشهر الجاري جرحاً ما بين الجيش وثوار 25 يناير. فتلك الأحداث التي راح ضحيتها قتيل وعشرات المصابين خلال تفريق الجيش معتصمين في الميدان نجم عنها احتقان سياسي بين الطرفين هو الأول من نوعه منذ اندلاع الثورة المصرية التي حسمت بانحياز الجيش الى مطالب الثوار. إلا أن النظرة المتعمقة لتلك الأحداث تشي بأن دلالاتها تعكس ارتباكاً واضحاً في مسار الثورة المصرية ولّده وجود خطين سياسيين مختلفين لإدارة عملية التحول الديموقراطي بعدها.


الخط الأول هو خط المجلس العسكري الذي يدير البلاد في إطار نسق مدني يعتمد في شكل كلي على فكرة المؤسسية، ما اتضح أولاً في فلسفة المجلس في إدارة ملف التعديلات الدستورية من خلال طرحها على استفتاء شعبي وفي حال قبولها تقوم لجنة تأسيسية مختارة من أعضاء أول برلمان منتخب بوضع دستور جديد للبلاد. واتضح ثانياً في محاكمات نظام مبارك ورجاله والتي حرص المجلس العسكري على أن تكون أمام القضاء الطبيعي وأن تسير في شكل حيادي من دون أدنى تدخل من قبل المجلس.


أما الخط الثاني فخط ثوار ميدان التحرير والذي يعتمد في شكل كلي على حشد الجماهير في تظاهرات مليونية للضغط على المجلس والحكومة للإسراع بمحاسبة الفاسدين، بل والقيام بمحاكمات شعبية لرموز الفساد في نظام مبارك. وإشكالية وجود هذين الخطين تتجلى في شكل أساسي في أن تبني أحدهما وتجاوز الآخر سيحدث شرخاً إما في مفهوم الدولة أو في مفهوم الثورة.
فلو تبنينا خط المجلس العسكري فإن هذا سيعني عدم محاكمة رموز نظام مبارك بتهمة الفساد السياسي والتي لا يمكن تكييفها قانونياً في ظل القانون الطبيعي العادي، ناهيك عن بطء إجراءات التقاضي في القانون المصري والتي من شأنها منح الفاسدين فرصة كسب الوقت والحصول على أقل عقوبة ممكنة ما يعد شرخاً لمفهوم الثورة.


أما لو تبنينا خط الثورة وعزلنا المجلس العسكري والقضاء الطبيعي عن ممارسة دورهما في محاكمة الفاسدين وإدارة الفترة الانتقالية في ظل عدم وجود قيادة ثورية لثورة يناير وفي غيبة الخط السياسي الأيديولوجي المفترض لها وفي ظل حديث بعض شبابها عن نظرية حرق المراحل وإيمان بعضهم بمنطق يقترب من منطق الثائر الروسي تروتسكي في شأن مفهوم الثورة الدائمة، ودعوتهم كذلك لتأسيس مجلس رئاسي لإدارة شؤون البلاد، ما يعتبر نكوصاً عن نتائج استفتاء الدستور الأخيرة التي تعبر عن إجماع وإرادة شعبية كانت نتاجاً لعملية ديموقراطية ونزيهة، فإن هذا يعد في مجمله شرخاً لمفهوم الدولة.


ما يعني أن الخروج من حال الاحتقان السياسي التي ولدتها أحداث ميدان التحرير يتطلب تجسير العلاقة بين الدولة والثورة أو بمعنى أصح دولته الثورة من خلال اتخاذ إجراءات تطهيرية راديكالية تحقق مطالب الثورة ولا تنال في الوقت ذاته من هيبة الدولة وفي مقدمها حل الحزب الوطني ومنع أعضائه من العمل السياسي لمدة لا تقل عن عشر سنوات. وأعتقد أن اتخاذ هذا الإجراء من شأنه طمأنة جماهير الثورة على مستقبل العملية السياسية في مصر. فغياب أعضاء الحزب الوطني عن البرلمان المقبل سيبدد أهم أسباب هذا الاحتقان، ألا وهي مخاوف تلك الجماهير من برلمان يعود به أعضاء «الوطني» لصدارة المشهد السياسي مرة أخرى، بل ويفتح الطريق أمام عناصر نظيفة لم يلوثها فساد النظام السابق ولم يلونها استبداده. وقتها يمكن هذا البرلمان استجابة لتلك الضغوط الشعبية تشريع قانون يدرج تهمة الفساد السياسي ضمن التهم التي يعاقب عليها القانون الجنائي ويجعلها كذلك جريمة لا تسقط بالتقادم ما يمكننا من إعادة محاكمة مبارك ورجاله على تلك التهمة أمام القضاء الطبيعي ونكون بهذا عثرنا على الحلقة المفقودة بين الثورة والدولة.


* كاتب مصري