|
تثير مسألة الدين بشكل أو بآخر عدة مشاكل على المستوى السياسي، فإذا كان الغرب قد حسم مع ذلك منذ مدة بعيدة انطلاقا من الفصل بين العقل والإيمان، فإن المسألة لا زالت لم تتم إلى اليوم بشكل مطلق عند الكثير من الشعوب الإسلامية، حيث لا يحضر الدين بثقله الروحي في العديد من مناحي الحياة فحسب، بل تداخل ذلك مع التاريخ، الذي كثيرا ما أصبح يعتبر جزءا من الدين يحظى هو الآخر، بقدسية يصعب معها على الكثير من الناس ممارسة التفكير فيه بحرية مطلقة، في حين أنه ممارسة طبيعية لبشر قد يصيبون وقد يخطئون، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم. وتأثرت بذلك الممارسة السياسية، مفرزة تيارين كبيرين، أحدهما يعتبر أن ضبط السياسة على إيقاع الدين هو الأصلح، في حين يخضعها ثانيهما إلى العقل بشكل مطلق.
و ظلت السلطة السياسية تعمل على توظيف كلا الطرفي لفائدتها حسب الحاجة، والسعي إلى تخويف كل طرف بالطرف الآخر. غير أن ما شهده العالم العربي من تحولات جعل الاهتمام ينصب على أمور سياسية جوهرية، تتوخى إقامة أنظمة ديمقراطية تكفل ممارسة سياسة سليمة، تسمح بالحق في الاختلاف والتعايش بين كافة الأفكار. ولعل ذلك هو ما دفع الحكومة التونسية الساعية إلى وضع نظام سياسي جديد، إلى التعامل مع حركة النهضة كحزب سياسي ذي حجم طبيعي، له الحق في التنافس السياسي الشريف على ممارسة السلطة. فهل يمكن للأحزاب السياسية الإسلامية اليوم أن تضطلع بدور في حكومة ديمقراطية؟
إن الأحزاب الإسلامية هي أولا وأخيرا إفراز مجتمعي، تقوى بفعل إقصائه ومواقفه المعارضة، المستقطبة لعدد من الفئات الاجتماعية، وكعادة الأحزاب التي تطيل المكوث في المعارضة، تغيب عنها الكثير من المعطيات الخاصة بتدبير العمل الحكومي، ولهذا فإن فتح المجال أمامها للمشاركة في انتخابات نزيهة وديمقراطية، تقوم على احترام كافة الفرقاء، سيجعلها أولا أمام محك وامتحان حقيقي لقدرتها على الإبداع السياسي، وسيبين حجمها الطبيعي الذي كثيرا ما تم التخويف بضخامته، ولكنه سيمكن من بلورة تعددية حقيقية يفرزها المجتمع، مختلفة تماما عن تلك المختزلة في التعددية الحزبية. وعلى المستوى السياسي فإن تواجد الأحزاب السياسية الإسلامية في الحكومات قد تكون له فوائد متعددة أبرزها:
- الاستفادة من قدرتها على التعبئة في تطوير مشاريع تروم التنمية بمختلف مضامينها، مما سيساعد على بلورة سياسات عمومية تعكس ما يتطلع إليه أفراد المجتمع؛ - إشاعة ثقافة التعدد و احترام الاختلاف، التي تنسجم مع الاختيار الديمقراطي الكفيل بإعطاء المعنى الحقيقي للسياسة؛ - تراجع اختيار العنف كآلية للعمل السياسي لفائدة الحوار والنقاش والتفاعل مع الأفكار السياسية المعبرة عن طموحات الأفراد وحاجتهم إلى الحرية؛ - تطوير الخطاب السياسي وإخضاعه إلى منطق النسبية الذي يسمح بالمراجعة الدائمة للأفكار بالشكل الذي يسهل عملية الانتقال من المعارضة إلى ممارسة السلطة؛ - الاحتكام إلى الدستور كوثيقة تفرض القبول بالتراضي كأسلوب وتنظم العمل السياسي المؤسساتي، وتضمن الحقوق والواجبات, كما تمكن من ضبط الخصوصيات المحلية على إيقاع الديمقراطية كاختيار كوني.
|