|
يقترن مفهوم الديمقراطية بمفهوم السياسة والدولة، وهي تعبير على صحة وسلامة العلاقة بين الحاكم والمحكومين، بين السلطة والمعارضة، بين الأكثرية والأقلية. والحكم المرتكز على الديمقراطية هو نقيض بالتأكيد للاستبداد والجور، والذي "أصبح محل سخرية على كل حال، وموضوع تندر في كل أنحاء العالم" (1)، بل لم يبق الأمر مقتصرا على هذا السلوك الشفاهي-التهكمي، مع سعي الشباب العربي- الذي نزل إلى الميدان وقدم التضحيات وبالأرواح- إلى مقاومة الأنظمة التسلطية والمستبدة .
وكلمة الاستبداد مشتقة من الفعل استبد، أي انفرد، وهي ترجمة للكلمة اليونانية ، وظهر مصطلح الاستبداد لأول مرة خلال الحرب الفارسية الهيلينية Despotes في القرن الخامس ق م .وأرسطو هو الذي طوره وقابل بينه وبين الطغيان (2) وكلاهما ينتميان إلى العائلة المذمومة: الشمولية، الدكتاتورية، السلطة المطلقة، الأوتوقراطية... وقد ترجم الحكم الاستبدادي أو حكم الطغيان قديما "بمدينة التغلب" أو برئاسة وحدانية التسلط (3)،أو الحكم التحكمي المتميز بممارسة الحاكم للسلطة بالقهر والعدوان وعدم الخضوع للإجراءات القانونية المقررة (4) .
ويعني الاستبداد اغتصاب الحاكم للسلطة بالعنف والقوة خارج إطار الشرعية،أي أن السيادة للحاكم وليست للقانون، وممارسة السلطة تتم بشكل تعسفي، إذ لا حدود لسلطاته المطلقة(5)،والتي يسخرها لخدمة مصلحته الخاصة و مصلحة بطانته ، غير الخاضعة للمسائلة والمحاسبة.
1- في آداب الاستبداد ؟
لا يتعلق الأمر هنا بتلك الأدبيات ذات الدلالة المكيافيلية-الإبليسية- التي ترسم خريطة طريق الحكم المطلق للحاكم ، بمعسول الكلام من خلال الحكم والعظات والمرويات والأمثولات والمتطرفات ومليح القول(6)،بل استقراء النصوص التي تشخص وضع وسلوك المحكوم الذي يرزح تحث غطرسة الحاكم المستبد.
فما يثير الاندهاش لدى البعض هو شخص المستبد، الحاكم الذي يتحكم في الأمور والظروف في غياب القانون، وقد اعتبر جون لوك أن المستبد يحكم لمصلحته وليس لمصلحة الشعب ووفقا لأهوائه. وبتعبيره، فحينما ينتهي القانون يبدأ الاستبداد، حيث يعيش الأفراد في ظل رعب مستمر من الانتقام والعقاب العشوائي للحاكم المستبد حسب ما ذهب إليه مونتيسكيو(7).
وقد عرف عبد الرحمان الكواكبي المستبد في كتابه الشهير "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" كما يلي: "إن المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته، لا بإرادتهم ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب المتعدي، فيضع كعب رجله على أفواه الملايين من الناس يسدها عن النطق بالحق والتداعي لمطالبته ... والمستبد عدو الحق، عدو الحرية وقاتله، والحق أبو البشر والحرية أمهم والعوام (الشعب) صبية أيتام نيام لا يعلمون شيئا..." (8).
فالمستبد يحكم أناسا خارج دائرة المواطنة ويسود دولته خارج عالم الإنسانية: "يود أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذللا وتملقا... " ، ويكون هو بمثابة الذئب حسب تعبير أفلاطون. وليس بالغريب أن يتم الاستمرار في اللجوء إلى عالم الحيوان، والنهل من قاموسه لتشخيص وضعية الاستبداد ما دام العقيد القذافي قد وصف شعبه بالجرذان والفئران في خطابه ل 22 فبراير 2011، واعتبر نفسه أنه هو الذي صنع مجد ليبيا ،ونصب نفسه ملك ملوك إفريقيا، متجاوزا بذلك الطابع الباتريمونيالي والشخصاني للدولة الفرنسية في تاريخها الملكي القديم، والمختزل في القولة الشهيرة للويس الرابع عشر "أنا الدولة"(9)،ومذكرا في نفس الوقت بما يختمر في نفس الحكام العرب من انفراد بالسلطة و شخصنة للنظام، فقد سبق للرئيس السابق لدولة تونس -الحبيب بورقيبة -أن قال : "أنا الحزب"(10)،أو ما اختزله الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في تصريحه: أنا النظام(11).
وتنتفي الكرامة الإنسانية في ظل الأنظمة الاستبدادية،وهذا ما يمكن استشفافه من قول عبد الرحمان الكواكبي الموجه إلى المحكومين "... إذا كانت المظالم غلت أيديكم، وضيقت أنفاسكم حتى صغرت نفوسكم، وهانت عليكم هذه الحياة، وأصبحت لا تساوي عندكم الجد والجهد، وأمسيتم لا تبالون أتعيشون أم تموتون؟ ". وكأن الكواكبي يتذكر-وينث-+ر-من النثر- البيت الشعري للمتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه ******** ما لميت بدم إيلام
2-في أسباب الاستبداد
وعموما فان للاستبداد جذور دينية،ثقافية،تاريخية(12)، تندرج حسب البعض في إطار الأساطير ،وهي نوعين: أساطير الغايات والأهداف واليوتوبيات، ثم أساطير الأدوات والوسائل(13) ، ومنها ما اختزل في الجانب السياسي، فلقد انشغل جمال الدين الأفغاني في البحث عن أسباب الانحطاط، فوجد من بينها الاستبداد والطغيان الناجم عن "غياب العدل والشورى، وعدم تقيد الحكم بالدستور، فقد أفنى الدهر على الشرق بكله ،ومرت عليه ولازال العسف والجور وأشكال الاستعباد حتى تأصل في نفوس أبنائه الذل والاستكانة كما يشاء الظالمون؟ إلى حد أن الاستبداد سلب إرادة المحكومين حتى في الموت؟ ويستفهم مستنكرا : "كلا والله، إن أنا أحببت الموت أموت والخلود الرقاد"(14).
ومن جهته فان الإمام محمد عبده أرجع الاستبداد بالرأي وإهمال المشورة وسوء التدبير من أسباب انهيار الدولة (15)،في حين اعتبر البعض هذا السلوك السلبي المستبطن للخنوع يجعل من الاستبداد ليس بالمسألة المقتصرة على شخص الحاكم – الفرد-المستبد، بقدر ما يبرر بممارسته في المجتمع الاستبدادي بواسطة كل المشروعات والفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية... (16)، وهذا يعني -وإلى حد ما- أن المستبد لم يكن ليمارس ساديته إلا في ظل رعية مازوشية،وذهنية للخضوع، فاستعمال القوة والعنف يحدث ثمارا فمن يمارس عنفا على أقرانه، يحصل على الإذعان، يجني من ورائه عدة مكاسب و امتيازات لا يحصل عليها الأقل قوة، وهذه حقيقة مركزية ومأساوية في الآن ذاته(17)، يختزلها البعض في : " المستخلصات العامة التي تمثل مرجعية للتفكير الفردي والعقل الجمعي على السواء"(18).
3-الدول العربية والاستبداد
فلإشارة فان الاستبداد قد ساد خلال العصور الغابرة في بلاد حوض المتوسط وخاصة اليونان وروما وغيرها، ويعتبر مونتيسكيو من أشهر المفكرين الذي وصف النظام السياسي لنمط الإنتاج الأسيوي بالنظام الاستبدادي(19)، فهو طبيعي بالنسبة للشرق وخطر على الغرب، وعليه فان الحكومة المعتدلة هي أصلح ما يكون للعالم المسيحي،والحكومة المستبدة هي أصلح مايكون للعالم الإسلامي، وكأن هناك ذهنية عالمثالثية ،ومنها المجتمعات العربية الإسلامية تعشق الاستبداد كما سبق الذكر.
ولاحظ أحد الباحثين أن الدول العربية الفئوية (طغمة، عائلة، عشيرة، طائفة...)، أو التيوقراطية هي دول استبدادية إذا ما قورنت بالدولة العصرية، فهي تقع في مرتبة ما دون الدولة أو مرحلة ما قبل الدولة؛ بسبب سلخها الدولة عن الأمة ، أو حرمانها من الوعي العقلاني(20)، وتطغى العلاقة النزاعية أو التوجسية بين الدولة والمجتمع،حيث نظامها يعتمد على الأجهزة الأمنية والعسكرية والجهاز البيروقراطي الفاسد،والإيديولوجية الاستعلائية والاحتقارية للشعب،وهذا الأخير لايثق في المؤسسات،وسلوكه نفاقي في إظهار الطاعة(21).
فما السبيل للخروج من دائرة اللادولة غير الديمقراطية إلى الدولة غير المستبدة؟
يبدو مما سبق أن الاستبداد نفي للديمقراطية التي تؤمن بحقوق الفرد والجماعة ،وهي أساس ودعامة المشاركة السياسية،وهذه الأخيرة تستدعي وجود نخبة غير متهرئة، وعقد سياسي أو بالأحرى اجتماعي بين الحاكم والمحكوم ذي المرجعية الديمقراطية وإلا بررت المقاومة حسب خلاصات الكواكبي، فبعد تذكيره بحقوق وواجبات المحكوم في علاقته بالحاكم، "... وعلى الرعية أن تكون كالخيل إن خدمت خدمت، وإن ضربت شرست ،وعليها أن تكون كالصقور لا تلاعب ولا يستأثر عليها بالصيد كله، خلافا للكلاب التي لا فرق عندها أطعمت أو حرمت حتى من العظام...".
فقد حدد صفات المستبد غير الديمقراطي والموجبة للمقاومة، بقوله: "يا قوم أبعد الله عنكم المصائب وبصركم بالعواقب... فهلا تخبروني لماذا تحكمون فيكم الظالمين حتى الموت؟ أليس لكم من الخيار أن تموتوا كما تشاءون لا كما أحب لئيما أو كريما حتفا أو شهيدا، فإن كان الموت ولابد فلماذا الخيانة؟". واذ أن زمن التصدي للاستبداد قد طال أمده فان ربيع ثورة الشباب العربي قد كسر تلك الصورة-الأمثولة النمطية الراسخة عند الغرب ،والمتمثلة في لا بيئية الديمقراطية العربية ،بل إن الثورة الشبابية قد أصبحت النموذج المثال الذي يحتذى.
هوامش 1- أحمد إبراهيم منصور: الديمقراطية والنظام الجماهيري مجلة الوحدة العدد 12 شتنبر 1985، ص 77. 2- د إمام عبد الفتاح إمام: الطاغية-دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي عالم المعرفة183-مارس1991 ص 44 وما يليها. 3- محمد عابد الجابري: الانتقال إلى الديمقراطية: أسئلة وآفاق، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط "الديمقراطية والتحولات الاجتماعية في المغرب" (مؤلف مشترك – الطبعة الأولى- 2000 ، ص 11.) 4- حسن عثمان محمد عثمان : النظم السياسية ، منشورات الحلبي الحقوقية، ص 229.228. 5- إسماعيل الغزال: القانون الدستوري والنظم السياسية، ط4 المؤسسات الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع 1989، ص 95. 6- كمال عبد اللطيف :في تشريح أصول الاستبداد:قراءة في نظام الآداب السلطانية،دار الطليعة ط1 بيروت 1999ص96 7 -: حورية توفيق مجاهد، الفكر السياسي من أفلاطون إلى محمد عبده ط2 مطبعة الأنجلو المصرية 1992، 401 وما يليها. 8- عبد الرحمان الكواكبي: الرحالة كاف: طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تحقيق محمد جمال الطحان، ط1، الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعة سورية 2003، ص 57. . Turpin Droit constitutionnel.2 ed puf1994p129 - 10--رشيد الغنوشي: المبادئ الأساسية للديمقراطية وأصول الحكم في الإسلام، ط1 سلسلة الحوار 18 منشورات الفرقان، البيضاء 1994 ص 23. 11-:جبران خليل: رفعت الأسد الطموح إلى السلطة في سوريا، جريدة الاتحاد الاشتراكي في 16/6/2000، ص 4. 12- ثناء فؤاد عبدا لله:خلاصة تنفيذية.... مركز دراسات الوحدة العربية:الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرةط1 بيروت يوليوز 2005ص16 ومايليها. 13- محمد سبيلا:الأساطير المؤسسة للاستبداد العربي، جريدة الاتحاد الاشتراكي في 26مارس 2011 14- أحمد صدقي الدجاني: تطور مفاهيم الديمقراطية في الفكر العربي الحديث مركز دراسات الوحدة ، أزمة الديمقراطية في الوطن العربيط2 يناير 1987، ص 123-124 15-حورية توفيق مجاهد، م س، 249. 16 -عبد العزيز قراقي:السلطة السياسية في الفكر السياسي الإسلامي: أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون العام. كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- السويسي.الرباط 2005-ص 469. 17- شارلزتلي: الدولة والقسر ورأسمال عبر التاريخ ترجمة عصام الخفاجي، الفارابي 1973، ص 95 . 18-توفيق السيف: تفكيك الاستبداد، الاستبداد واليات إعادة إنتاجه والسبل الممكنة لمواجهته مركز دراسات الوحدة العربية:الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرةط1 بيروت يوليوز 2005ص220. 19-ميشال مياي، مقدمة في نقد القانون الدستوري ط2 المؤسسة الجامعيةللدراسات والنشر والتوزيع1982 ، ص 39. – 20- ياسين الحافظ: دول ... ما دون الدولة ،مجلة الوحدة عدد46-47 غشت1988 ص209. 21- رفيق عبد السلام بوشلاكة:الجدور الحداتية للاستبداد:التجربة التونسية نموذجا: مركز دراسات الوحدة العربية:م س ص 97.
د أحمد حضراني:أستاذ جامعي-المغرب
|