التاريخ: شباط ١٢, ٢٠١١
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
ثورة مصر صنعت العبور الثاني

واشنطن – من هشام ملحم:
القاهرة – الوكالات:


في يوم تاريخي مشهود، طوت الثورة التي أطلق شرارتها شباب مصر في ميدان التحرير بوسط القاهرة في 25 كانون الثاني الماضي، صفحة الرئيس حسني مبارك الذي وجد نفسه مضطراً الى التنحي بعد 30 سنة امضاها في الحكم ليصير، بعد الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، ثاني زعيم عربي تطيحه ثورة شعبية. وألهب ذيوع النبأ موجات من الابتهاج والفرح الغامر امتدت من ميدان التحرير الى كل ميادين المدن المصرية والكثير من المدن العربية، وبعثت بتحذير الى الانظمة التي لا تزال تتبنى الحكم المطلق في العالم العربي.
وسلّم مبارك السلطة الى المجلس الاعلى للقوات المسلحة بموجب بيان مقتضب تلاه نائبه عمر سليمان، بعد موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية ضد الفقر والفساد والقمع. وتوجه الرئيس السابق مع أسرته الى منتجع شرم الشيخ على البحر الاحمر.


وأعلن المجلس الاعلى للقوات المسلحة، الذي يرأسه وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي، في بيان حمل الرقم 3 انه لن يكون بديلاً من "الشرعية التي يرتضيها الشعب". ووجه تحية الى مبارك والى "ارواح الشهداء"، في اشارة الى ضحايا الثورة. وقال انه سيصدر بيانات لاحقاً تحدد "الخطوات والاجراءات التي ستتبع".
وهذه أسوأ أزمة تشهدها مصر منذ اطاحة الملك فاروق في انقلاب عسكري نفذته مجموعة من الضباط في 23 تموز 1952. وستضاف ثورة الشباب الى أنصع المحطات التاريخية في تاريخ مصر ولاسيما عبور خظ بارليف في حرب تشرين الاول 1973.
وقوبل تنحي مبارك بترحيب اميركي واوروبي وحذر اسرائيلي، فيما ابدت ايران ومنظمات اسلامية ارتياحها الى الحدث.

الموقف الاميركي
وفي واشنطن، رحّب الرئيس الاميركي باراك اوباما "باللحظة التاريخية" التي عاشتها مصر خلال اطاحة مبارك، واثنى بسعادة واضحة على الجيل المصري الشاب والخلاّق الذي الهم العالم خلال الاسابيع الاخيرة، ودعا الى عملية انتقالية سلمية تؤدي الى الغاء قوانين الطوارئ وتعديل الدستور واجراء انتخابات حرة بمشاركة جميع الاصوات في المجتمع المصري.
وقال في كلمة ألقاها في البيت الابيض: "لقد تحدث الشعب المصري وسمعت اصواته، ومصر لن تبقى كما هي ابداً".
واضاف انه "كان يلبي جوع الشعب المصري الى التغيير". لكنه حذّر من ان المرحلة الانتقالية ستكون حافلة بتطورات عدة و"هذه ليست نهاية العملية الانتقالية في مصر. انها البداية. وانا واثق من انه ستكون هناك ايام صعبة امامهم، واسئلة كثيرة لا تزال دون اجوبة".


واعرب عن ثقته بأن "الشعب المصري سيجد الاجوبة وسيفعل ذلك بشكل سلمي وبناء وبروح الوحدة التي ميّزت الاسابيع الاخيرة، لان المصريين اوضحوا انهم لن يقبلوا اي شيء اقل من الديموقراطية الحقيقية". واشاد بأداء الجيش المصري الذي "خدم بوطنية وبمسؤولية حامياً للدولة، والذي عليه الان ان يضمن العملية الانتقالية بحيث تكون ذات صدقية في أعين الشعب المصري. وهذا يعني حماية حقوق المواطنين المصريين، والغاء قانون الطوارئ، وتعديل الدستور وغيره من القوانين لجعل هذا الانتقال غير قابل للرجوع عنه، ولشق طريق واضح لانتخابات نزيهة وحرة... والاهم من ذلك، هذا الانتقال يجب ان يجلب جميع الاصوات المصرية الى الطاولة، حيث ان روح الاحتجاجات السلمية والثبات التي اظهرها الشعب المصري سوف تكون بمثاية رياح قوية تدفع هذا التغيير". ويمكن تفسير حديث اوباما عن "جميع الاصوات" بأنها اشارة ضمنية الى القوى الاسلامية، التي يقول المسؤولون الاميركيون في اجازاتهم الخلفية في الايام الأخيرة، انهم لا يمانعون في مشاركتها في العملية السياسية ما دامت هذه المشاركة سلمية.


وأكد اوباما ان الولايات المتحدة ستبقى صديقا وشريكا لمصر "ونحن نقف مستعدين لتوفير أي مساعدة ضرورية تطلب منا خلال السعي الى عملية انتقالية ذات صدقية الى الديموقراطية". واعرب عن ثقته بتعبئة الروح الخلاقة التي اظهرها شباب مصر في الايام الاخيرة لإيجاد فرص جديدة لتوفير الوظائف والاعمال التي تحقق الامكانات غير الاعتيادية لهذا الجيل... وانا اعرف ان مصر الديموقراطية ستضطلع بدورها القيادي بشكل مسؤول ليس فقط في المنطقة بل في العالم".


وذكر بان مصر اضطلعت بدور محوري في تاريخ البشرية اكثر من ستة آلاف سنة "ولكن خلال الاسابيع الأخيرة، دارت دواليب التاريخ بسرعة مدوخة عندما طالب الشعب المصري بحقوقه الشاملة. ورأينا الامهات والاباء يحملون اولادهم على اكتافهم كي يكتشفوا كيف تبدو الحرية الحقيقية. ورأينا شابا مصريا يقول: لاول مرة في حياتي، اشعر بأن لي قيمة وصوتي مسموع، مع انني انسان واحد. هكذا تعمل الحرية الحقيقية".


وتطرق الرئيس الأميركي الى الطبيعة السلمية للانتفاضة الشعبية قائلا: "رأينا المتظاهرين يرددون مرة بعد مرة: سلمية، سلمية (كررها بالعربية) وشرحها: نحن مسالمون. ورأينا جيشا لا يطلق الرصاص على الشعب الذي اقسم اليمين على حمايته، ورأينا دكاترة وممرضات يسرعون الى  الشوارع  لمعالجة الجرحى، ومتطوعين يفتشون المتظاهرين ليتأكدوا من انهم غير مسلحين... لقد رأينا المؤمنين يصلون معا، ويهتفون، مسلمون ومسيحيون نحن نقف معا. ومع اننا ندرك ان التوترات بين الاديان لا تزال تفرّق الكثيرين في العالم، ولن يؤدي أي حدث وحده الى ردم هذه الهوة بسرعة، الا ان هذه المشاهد تذكرنا باننا يجب ألا نعرّف بما يفرقنا بل ان نعرّف بانسانيتنا المشتركة".


ورأى ان اهم ما ابرزته هذه الحركة الشعبية هو "جيل جديد، جيل يستخدم قدرته على الخلق ومواهبه وتقنيته ليدعو الى حكومة تمثل آماله وليس مخاوفه، حكومة تلبي تطلعاته غير المحدودة. لقد وصف احد المصريين الوضع ببساطة قائلا: معظم الناس اكتشفوا في الايام الأخيرة ان لهم قيمة، وهذا ما لا يمكن انتزاعه منهم ابدا".


الى أن قال: "هذه هي قوة الكرامة الانسانية، وهذا ما لا يمكن نكرانه. لقد ألهمنا المصريون، وفعلوا ذلك من خلال تقويض الكذبة التي تدعي ان العدالة لا تتحقق الا من خلال العنف، لاننا رأينا في مصر ان القوة الاخلاقية للاعنف، وليس الارهاب، او القتل العشوائي، بل اللاعنف والقوة الاخلاقية، هي التي حنت قوس التاريخ صوب العدالة مرة اخرى"، وربط اوباما بين طموح المصريين وتطلعاتهم، وتطلعات غيرهم من الشعوب التواقة الى الحرية، قائلا: "ومع ان الاصوات المشاهد والاصوات التي رأيناها كانت مصرية بالجوهر، الا اننا لا نستطيع الا ان نسمع اصداء التاريخ : اصداء الالمان وهم يحطمون الجدار (في برلين)، الطلاب في اندونيسيا ينطلقون في الشوارع، وغاندي يقود شعبه على طريق العدالة".


واقتبس من زعيم حركة الحقوق المدنية القس مارتن لوثر كينغ الذي قال بعد استقلال غانا: "هناك شيء في الروح يصرخ من اجل الحرية. هذه هي الصرخات الآتية من ميدان التحرير، والعالم كله أخذ علما بها. هذا اليوم يملكه الشعب المصري، والشعب الاميركي مأخوذ بهذه المشاهد في القاهرة وجميع انحاء مصر، وهذا بسبب ما نمثله كشعب ونوع العالم الذي نريد اطفالنا ان يربوا فيه".
وبعدما اشار اوباما الى معنى ميدان التحرير بالعربية، خلص الى ان كلمة "التحرير تعكس ما هو موجود في روحنا، هذه الصرخة من اجل الحرية، والى الابد ستذكرنا بالشعب المصري: بماذا فعلوه، وبالاشياء التي يمثلونها، وكيف غيروا بلادهم، ومن خلال ذلك كيف غيروا العالم".


ورحب نائب الرئيس الاميركي جو بايدن بتنحي الرئيس المصري معتبراً أنه "يوم تاريخي" تشهده مصر. وقال انها "لحظة مصيرية" في الشرق الأوسط، لكنه نبه الى ايام مقبلة "حساسة ستكون تداعياتها كبيرة". وأكد أن "التحولات الكبيرة" في مصر ينبغي ان تستجيب لتطلعات المتظاهرين الذين نزلوا الى الشوارع باعداد ضخمة و"العملية الانتقالية ينبغي أن تؤدي الى تغيير جذري نحو الديموقراطية".
وأمل الناطق باسم البيت الأبيض روبرت غيبس ان تحافظ مصر على معاهدة كمب ديفيد للسلام مع اسرائيل.