التاريخ: شباط ١٢, ٢٠١١
المصدر: جريدة الراي الكويتية
لبنان أمام أسبوع «الخيارات الصعبة»

| بيروت - من وسام أبو حرفوش |

 

يتجه لبنان نحو اسبوع حاسم في تظهير المرحلة الجديدة من الصراع و«قواعده» السياسية والأهلية بعد نحو شهر من «المناورات الخشنة» التي افضت الى قلب المعادلة السياسية باقصاء زعيم «تيار المستقبل» سعد الحريري عن السلطة والمجيء بالنائب نجيب ميقاتي رئيساً مكلفاً لتشكيل الحكومة بقوة نفوذ «حزب الله» وسورية.
فالأسبوع الطالع سيشهد محطتين بالغتي الاهمية في تحديد المسار السياسي اللبناني ومصيره القريب، الاولى، تتجلى في الانتقال الحاسم لتحالف «14 اذار» الى المعارضة، وهو ما سيعلن في مهرجان احياء الذكرى السادسة لاغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري بعد غد الاثنين، والثانية، تتمثل في الولادة المرتقبة للحكومة وسط الاسبوع عينه.


وكشفت مصادر بارزة في «14 اذار» لـ «الراي» ان رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري سيعلن في خطاب بالغ الوضوح في ذكرى اغتيال والده انتقاله مع حلفائه الى صفوف المعارضة وفق برنامج سياسي من دون «قفازات»، ويتم عبره وضع حد لمسلسل التنازلات، الذي كان ارهق «14 مارس» وفوت عليها الكثير من الفرص لتثبيت اقتناعاتها في ادارة البلاد.
هذا المناخ الذي يرافق تحضيرات «14 اذار» لاحياء ذكرى اغتيال «كل شهداء ثورة الارز»، حسب بطاقة الدعوة للمهرجان الذي يقام في «البيال»، يجعل من معاودة فتح قنوات الاتصال بين اطراف من «المعارضة الجديدة» والرئيس ميقاتي لمناقشة امكان مشاركة «14 اذار» في الحكومة مجرد «بالونات اختبار» متبادلة، في اطار «تبادل كرة» المسؤولية عن ذهاب البلاد الى حكومة «أحادية».


وكان اللقاء السياسي ـ الديني لـ «أهل السنّة» الذي انعقد في دار الفتوى اول من امس بمشاركة الحريري وميقاتي، شكل ما يشبه «فرصة إضافية» لإمكان فتح الابواب الموصدة بين طرفي الصراع للإتيان بحكومة «لمّ شمل»، على النحو الذي من شأنه «ردم الهوة» في الداخل والاستجابة لـ «نصائح» اقليمية تطايرت اخيراً من أنقرة والدوحة وحتى من دمشق.
غير ان المسار الذي بدأ بإسقاط حكومة الحريري وقلب المعادلة السياسية وتكليف ميقاتي يوحي بأن حظوظ الجمع بين طرفي الصراع في حكومة واحدة منعدمة، خصوصاً ان البلاد مقبلة على الاستحقاق الأخطر، المتمثل بالقرار الاتهامي في جريمة اغتيال الحريري، والمرتقب صدوره في اي وقت، الامر الذي يحتم على حكومة ميقاتي تلقف تداعياته المباشرة والبعيدة المدى.


ومع مضي ميقاتي قدماً في النظر في شروط القوى السياسية و«حصصها» في الحكومة، يستمر تحت المعاينة، خصوصاً في ضوء وثيقة الثوابت «السنية» التي وافق عليها، وكان الاكثر اثارة فيها تأكيدها التمسك بالمحكمة الدولية، الاستحقاق الذي «يتربص» بالرئيس المكلف والبيان الوزاري لحكومته.


وقالت مصادر في الاكثرية الحالية (8 اذار) لـ «الراي» انه لن يصار الى إحراج ميقاتي عبر الإصرار على تضمين البيان الوزاري ما يشتم منه موقفاً مناهضاً للمحكمة الدولية، لكن هذا الامر لا يمنع من طرح قضية المحكمة على مجلس الوزراء الذي سيكون مطالباً بالتصويت على سحب القضاة اللبنانيين، رغم الموقف المبدئي الذي يمكن ان يتخذه رئيس الحكومة لاعتبارات مفهومة.


وكانت بيروت انهمكت امس بـ «تقصي» تداعيات «القمة السنية» الدينية ـ السياسية على ملف تشكيل الحكومة بعدما بات ميقاتي امام «اختبار» طريقة ترجمة أفكار البيان الذي لم يعترض عليه الى ممارسة سواء في «برنامج عمل الحكومة» (بيانها الوزاري) او المراحل التي ستجتازها الحكومة وتالياً مدى قدرته على التوفيق بين التزامه بمضمون الوثيقة (رغم تحفظه عن «القراءة السياسية» التي تضمّنها) وبين متطلبات تشكيل حكومة تتحكّم بها «الأكـثرية الجديدة» بمنطقها و«اجندتها» السياسية التي تتناقض مع «الثوابت» التي صدرت عن الاجتماع ولا سيما في موضوعيْ المحكمة الدولية و«سلاح الغلبة».
ورأت دوائر مراقبة في بيان «الثوابت» الصادر عن الاجتماع السني مجموعة دلالات أبرزها:


* انه تحوّل محطة مفصلية «ما بعدها غير ما قبلها»، لا سيما لجهة انه طوى صفحة القطيعة بين الرئيس المكلف ورئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري، وانه محض ميقاتي دعماً شاملاً من القيادات السياسية والروحية للطائفة السنية التي لم تعزله بل محضته «اعترافاً» به كرئيس مكلف بعد «الطعن» السياسي الذي حصل بشرعية تكليفه «القسري» الذي جاء بحسب ما كانت هذه القيادات عبّرت «بقوة السلاح والترهيب».


* ان الوثيقة التي صدرت يمكن ان تفيد ميقاتي كـ «تغطية» تتيح له تعزيز موقعه التفاوضي تجاه سورية وحلفائها في إطار تشكيل الحكومة و«معركة الحصص» التي تعوق الولادة الحكومية.


* ان القمة الاولى من نوعها منذ العام 1983 شكلت مكسباً للرئيس سعد الحريري وحتى لمجمل أدبيات قوى 14 اذار وثوابتها التي تبنّتها الوثيقة، وقد استفاد منها ميقاتي لمعادة الاتصالات مع هذه القوى في محاولة جديدة لتشكيل حكومة جامعة تجنّبه كأس «اللون الواحد».


* ان موافقة ميقاتي على البيان، تُعتبر، بحسب ما نُقل عن قريبين من «تيار المستقبل» (بقيادة الحريري) «تحصيناً استباقياً» لموقع رئاسة الحكومة بما يملي على شاغلها الجديد التزام ثوابت الطائفة او تحمل تبعة الخروج عليها والاخلال بها.


ورغم هذه القراءات، فان «الخط البياني» لكيفية ترجمة ما عبّر عنه «خميس الثوابت» يبقي محكه الاساسي السلوك حيال المحكمة الدولية، حيث لفت ما نُقل عن ديبلوماسي غربي من ان ميقاتي وافق على التكليف على اساس معادلة تقضي بإنتاج مظلة عربية تغطّي أي تعديلات على المحكمة الدولية يريدها «حزب الله»، لجهة البروتوكول الموقّع مع الامم المتحدة والتمويل اللبناني وسحب القضاة، موضحاً «ان ميقاتي ارسل الى اكثر من جهة عربية واقليمية ودولية رسائل واضحة مفادها ان المعادلة التي انشأت المحكمة تتغيّر بإجماع العواصم المعنية وبغطاء عربي حاضن لاي تعديلات وتبلغ بوضوح الى كل الافرقاء في لبنان».


على ان ميقاتي عبّر امام زواره بعد ساعات على «القمة السنية» عن ان «موضوع المحكمة يجب على الحكومة مجتمعة أن تتخذ الموقف منه»، متداركاً: «أنا متمسك بالعدالة والحقيقة، ومسألة آثار المحكمة على الداخل يجب ان يكون عليها إجماع لبناني، وعلى الدوائر القيام بما عليها في حال تم طلب أي أمر أو طلب تسليم أي شخص من قبل السلطات اللبنانية».
وعن عزم الحكومة الجديدة فك الارتباط مع المحكمة، أجاب: «مَن قال إن هناك فكّ ارتباط الآن، يجب ان ننتظر القرار الاتهامي».


واوضح في ما خص تشكيل الحكومة أنه يأمل في ان يحصل التشكيل «في أقرب وقت»، مشيراً في شأن معاودة الاتصالات مع فريق «14 اذار» عبر الوزير بطرس حرب.
اضاف: «انا لا أسعى لحكومة وحدة وطنية، انما ما اعمل عليه هو تأليف حكومة جمع الشمل بين كل اللبنانيين».
وجاء موقف الرئيس المكلف على وقع معلومات عن اتصالات دخلت على خطها دمشق تتناول الملف الحكومي، وشملت الى زعيم «التيار الوطني الحر» النائب العماد ميشال عون (التقى الرئيس بشار الاسد يوم الاربعاء) شقيق الرئيس المكلف رجل الأعمال طه ميقاتي وقيادتي حركة أمل وحزب الله والنائب سليمان فرنجية.


وكانت المعلومات المتوافرة عن لقاء ميقاتي ـ حرب اشارت الى ان خلفيته استئناف البحث في إمكان الوصول الى صيغة لتشارك قوى 14 اذار على أساسها في الحكومة إنطلاقاً من المبادئ التي تلتزمها «بحيث لا تشكل حكومة لاعلان وفاة المحكمة الدولية وان تكون مشاركتنا وازنة وفعالة ولا تتحول 14 اذار شاهداً على ما يفرضه الآخرون بل أن تكون لها القدرة على المشاركة الفعالة في أي قرار لمصلحة لبنان والتصدي لأي قرار يتناقض مع مصلحة لبنان»، علية ما قال الوزير حرب، مشيراً الى ان «الاحتمالات لدى 14 اذار ليست مقفلة وهي تلتقي مع رغبة الرئيس ميقاتي ومع ارشادات رئيس الجمهورية ميشال سليمان وكلاهما يريد حكومة تضم كل الأطراف السياسيين».


وتحدث عن مشاورات جارية بين قوى 14 اذار «وعندما تكتمل هذه المشاورات سأعود الى التواصل مع الرئيس ميقاتي لابلاغه موقفنا في 14 مارس والمعطيات المحيطة به».
على انه وفي موازاة محاولات «تدليك» المفاوضات بين ميقاتي و14 اذار، فقد بدت العقد «على تعقيداتها» بالنسبة الى «هجمة الاستيزار» وصراع الأحجام بين مكونات «الأكثرية الجديدة» ضمن الحكومة. وفي هذا الاطار، تبقى مشكلة تمسّك العماد عون بعدد من الحقائب، منها الداخليّة والعدل، إضافة إلى الحقائب التي يشغلها وزراء التكتّل حالياً، مع رغبته في «نصف مقاعد الحكومة» (اي كل المقاعد المسيحية لتكتله الذي يضم ايضاً النائب سليمان فرنجة وحزب الطاشناق) معتبراً ان لا مبررات لتمثيل رئيس الجمهورية بحصة «باعتبار ألا تمثيل شعبياً له».</< div>