التاريخ: شباط ١٢, ٢٠١١
المصدر: جريدة المستقبل الللبنانية
شباب مصر من الـ"فايسبوك" إلى تغيير الواقع

القاهرة ـ سمير غطاس


هكذا فجأة وعلى نحو يفوق روايات وافلام الخيال العلمي قفز الشباب المصري من العالم الافتراضي الـ"فايس بوك" و"الانترنت" الى واجهة الاحداث واحتلوا صدارة عناوين نشرات الأخبار العالمية وشغلوا قيادات العالم من باراك اوباما في اميركا الى عبد الله سامبي في جزر القمر.


وكان طبيعيا ان يتفق سيل من الاستفسارات والاسئلة عن كنه هذه الظاهرة الشبابية في مصر وعن تفاصيل الشبكات والاطر التي بنوها في فضاءات الكمبيوتر قبل ان ينطلقوا منها بهذه القوة لتغيير الواقع على الارض، وعن اسماء قياداتهم والعلاقة بين ما هو عفوي وما هو منظم في تحركهم وحركتهم، وعن محتواهم الفكري ورؤاهم السياسية، وعن موقفهم من النظام والاحزاب في مصر.. فضلا عن الاسئلة المحرجة عن مصادر التمويل والتدريب الاميركي والاجنبي، والى آخر قائمة لا تنتهي من الاسئلة والاستفسارات الاخرى. أحد لا يستطيع ان يدعي انه يقبض على حبة الكستناء هذه وهي لا تزال ملتهبة كالجمر الذي اشعل شتاء مصر من الاسكندرية شمالا الى اسوان في الجنوب، ومن الوادي الجديد غربا الى العريش ورفح في الشرق، ولهذا قد تبقى هذه الاسئلة معلقة بلا رد قاطع او معلومات كاملة ريثما نبتعد زمنيا عن ما يحدث الآن في مصر.


ربما يمكن الاستدلال على ذلك من العبارة البسيطة التي كتبها وائل غنيم احد ابرز قادة الشباب في مصر في موقعه "كلنا خالد سعيد" التي قال فيها بالعامية المصرية: "هننتصر لأن معندناش اجندات ولأننا مش بنفهم في السياسة والموازنات والتفاوضات والعابها الحقيرة".
والموقف نفسه يمكن ان نجده في الشعار الذي اهتوت له جنبات ميدان التحرير والعديد من شوارع مصر: "لا اخوان ولا احزاب الثورة ثورة شباب".


لكن من المؤكد ان الحركة الشبابية في مصر طورت تجربتها واساليبها ذاتيا في المعترك الحقيقي للمواجهات المستمرة على مدار السنوات القليلة الماضية في مواجهة اجهزة الامن والقمع المصري. كان عام 2004 هو تاريخ الميلاد الرسمي لهذه الحركة التي شهدت لاحقا العديد من التطورات على اطرها وافكارها واساليبها. ففي هذا العام اعلن عن تأسيس "الحركة المصرية من اجل التغيير كفاية"، ويعود الى هذه الحركة الفضل في رفع سقف مطالب الحركة السياسية في مصر التى طالت لاول مرة حسني مبارك وليس فقط بعض مرؤوسيه. كما يعود لها الفضل في نقل حركتها الاحتجاجية الى الشارع في صدام مباشر مع اجهزة القمع الشرسة.


ويعتقد بعض قادة الشباب ان حركتهم ولدت في 12/12/2004، تاريخ المشاركة الواسعة من الشباب في الوقفة الاحتجاجية امام دار القضاء العالي في القاهرة والمواجهة التي نشبت بينهم وبين اجهزة القمع وقته. ومع تنامي قوة "حركة كفاية" جرى تشكيل افرع نوعية وفئوية لها مثل "صحافيين من اجل التغيير" و"عمال من اجل التغيير"، لكنها كانت محدودة العدد وقليلة الفعالية، ووحدها حركة "شباب من اجل التغيير" التي تشكلت في شباط (فبراير) 2005 التي كانت لها فعالية حقيقية. ولعب هؤلاء الشباب الدور الابرز في المواجهات مع اجهزة الامن يوم 14/5/2005 التي نظمتها حركة "كفاية" احتجاجا على تفصيل المادة 67 من الدستور لتلائم فقط حسني مبارك او نجله جمال في الترشح لرئاسة مصر .


وكان تأسيس حزب "الغد" رافدا جديدا مد تيار الحركة الشبابية باعداد غير قليلة من الكوادر الشبابية التى احتشدت خلف ايمن نور عندما نافس حسني مبارك في الانتخابات، وعندما لفقت الدولة قضية التزوير لحبس ايمن نور، قادت زوجته جميلة اسماعيل حركة شباب الغد في سلسلة طويلة من المجابهات مع اجهزة الامن والقمع وهي التي تربى فيها وتخرج منها عدد من القيادات الحالية لحركة الشباب مثل احمد ماهر الذي يقود حركة "6 ابريل" التى لعبت ولا تزال دورا هاما في قيادة الشباب في مصر.
كما لعبت الصحافة المستقلة: "الدستور" و"صوت الامة" و"المصري اليوم" و"الفجر"، دورا مهما ايضا في نمو وتطور ثقافة الاحتجاج ومطالب التغيير.
وكانت واقعة التحرش الجنسي واعتداء بلطجية الامن والحزب الوطني على شابات شاركن في وقفة احتجاجية على سلالم نقابة الصحافيين في 25/5/2005 قد استفزت بشدة مشاعر قطاعات اخرى من الشباب الذين انضموا الى الحركة الشبابية الصاعدة.


وشهد عام 2006 بروز ثلاثة احداث بارزة تركت بصماتها العميقة على تطور الحركة الشبابية: ففي يوم 20/4/2006 جرى الاعلان عن اعتصام نادي القضاة برئاسة المستشار زكريا عبد العزيز للمطالبة باستقلال القضاء، وسجل ظهور اول مشاركة علنية لشباب حركة "الاخوان المسلمين" في هذا النشاط الاحتجاجي. وكان الحدث الثالث في العام نفسه هو الاعتداء الذي تعرضت له ثلاث كنائس في الاسكندرية من شخص زعمت اجهزة الامن كالعادة انه مختل عقليا ما اثار احتجاجا واسعا من المواطنين المسيحيين، وانضمت لهم اعداد كبيرة من حركات الشباب لتؤكد على وحدة الشعب بمسلميه واقباطه في مواجهة الاعتداءات الطائفية المتصاعدة، وكان الهتاف الموحد لهذه التظاهرة هو نفسه ما يتردد الان في ميدان التحرير: يسقط.. يسقط حسني مبارك.
وجرى في العام 2007 تصعيد غير مسبوق للحركات الاحتجاجية الفئوية غير المسيسة بلغت نحو 370 حالة، وكان من ابرزها اعتصام العاملين من الرجال والنساء في مصلحة الضرائب العقارية، والذي استمر احد عشر يوما وانتهى في 13/12/2007، بتسليم الحكومة بمطالب المعتصمين.


وشهد العام نفسه انكفاء الحركة الشبابية الى النشاط الالكتروني، واتسع عدد المشاركين من الشباب في الـ"فايس بوك" الى نحو المليون ونصف المليون شاب وفتاة، فيما تحول النشطاء السياسيون من الشباب الى التركيز على التويتر والمدونات، لكن هذا التقسيم لم يصمد طويلا وانهار مفضيا الى انشغال اعداد كبيرة جدا بمواقع الـ"فايس بوك" التي تعنى بالقضايا السياسية وتدعو للتغيير.
كما شهد العام نفسه تأسيس حزب "الجبهة الديموقراطية" الذي يتزعمه اسامة الغزالي حرب، والذي اجتذب لصفوفه اعدادا جديدة من الشباب الذين سيكون لهم بعدها دور بارز في قيادة الشباب في ميدان التحرير.


وشهد عام 2008 اول تجربة عملية ناجحة من جيل الشباب لقيادة الشارع المصري، كانت قيادات عمالية من مجمع مصانع الغزل والنسيج في المحلة الكبرى دعت الاحزاب المصرية للتضامن مع الاضراب المنوي تنظيمه لكن الاحزاب تقاعست، فيما بادرت مجموعة من الناشطين الشباب الى تعميم الدعوة الى اضراب عام في مصر كلها يوم 6 نيسان (ابريل) دعما لمطالب عمال المحلة، ونجح الاضراب بشكل مذهل، وهكذا ولدت "حركة 6 ابريل" من رحم هذه التجربة وكان من ابرز قادتها احمد ماهر واسراء عبد الفتاح، وهما الان من ابرز قيادات شباب ثورة 25 كانون الثاني (يناير).
وفتحت هذه التجربة المجال اكثر امام المزيد من تشكيل المواقع الالكترونية السياسية، التي باتت تضم اكثر من مليون شاب مشارك، فيما كانت الدولة واجهزتها تستخف بالقدرات التحريضية والتعبوية والتنظيمية لهذا الجيل، ووصل الامر برئيس احد الاحزاب "التقدمية" الى حد وصف هذه الظاهرة الشبابية "بشوية العيال".


وشهد العام الماضي تصاعد وتيرة تعذيب المواطنين والاعتداء عليهم في اقسام الشرطة. وكانت واقعة قتل الشاب خالد سعيد على يد ضابط مباحث امن الدولة في احد اقسام الشرطة بالاسكندرية في 11 حزيران (يونيو) 2010 قد أغضب مئات الالاف من شباب مصر، وخصوصا بعد ان تشكل بسرعة موقع جديد على الـ"فايس بوك" باسم "كلنا خالد سعيد" ونشر صورته قبل مقتله وصورته اثر تعذيبه بشكل وحشي وهمجي ما ادى الى مقتله في قسم الشرطة.


ومع أن اسم قائد هذا الموقع بقي سرا، انضم اليه 400 الف شاب سجلوا اسماءهم من انحاء مصر كلها. ونظم هذا الموقع فعاليات شبابية جديد تماما في اساليبها شارك فيها عمليا الاف من الشباب، ويشرف هذا الموقع أنه اول من دعا الشباب الى المظاهرات في 25 كانون الثاني (يناير)، الذى يوافق عيد الشرطة، احتجاجا على ممارساتها بحق الشعب المصري.
فقط قبل اسبوع واحد من الان جرى الكشف عن اسم الشاب وائل غنيم قائد هذا الموقع الذي اعتقلته اجهزة الامن لعشرة ايام قبل ان تضطر الى اطلاق سراحه تحت ضغوط المعتصمين في ميدان التحرير وضغوطات دولية اخرى.