|
استجاب الجيش المصري بعضاً من المطالب الرئيسية لـ"ثورة 25 يناير" التي تواصل الضغط من أجل خطوات سريعة للانتقال الى حكم ديموقراطي، وبدأ تفكيك مؤسسات نظام الرئيس حسني مبارك، بحله مجلسي الشعب والشورى واعلان عزمه على اجراء تعديلات دستورية وتشريعية تجرى على اساسها انتخابات نيابية ورئاسية جديدة. كذلك، حرص مع الحكومة الانتقالية على ابراز أهمية اعادة الامن الذي انهار خلال الايام الـ18 للاحتجاجات،مع قول مصادر عسكرية إن المجلس الاعلى للقوات المسلحة سيوجه اليوم تحذيرا الى كل من يثير "الفوضى ويخل بالنظام، كما سيحظر اجتماعات النقابات العمالية والمهنية، مما يحول فعلا دون تنظيم إضرابات. وفيما تخطو مصر أولى خطواتها الموقتة نحو الديموقراطية، أبرزت اضطرابات عمالية، بينها احتجاجات للشرطة وموظفين في المصارف الحكومية يطالبون بتحسين أوضاعهم، التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد.
ووجه المجلس الاعلى في بيانه الرقم 5 رسالة تطمين جديدة الى القوى السياسية في الداخل والخارج أيضاً، الى انه ليس طامحا الى الاحتفاظ بالسلطة السياسية، بتأكيده انه سيتولى "إدارة شؤون البلاد بصفة موقتة لمدة 6 أشهر أو انتهاء الانتخابات مجلسي الشعب والشورى وانتخابات رئاسة الجمهورية". وقد تتطلب هذه الخطوات ان يظل المجلس العسكري اكثر قليلاً من ستة اشهر، اذ يفترض الامر اولا اعداد تعديلات دستورية وتشريعية ثم عرضها على استفتاء شعبي، وبعد ذلك تنظيم انتخابات مجلس الشعب واتاحة الفرصة للحملات الانتخابية التي تسبقها، قبل ان تنظم انتخابات رئاسية تقتضي كذلك تخصيص وقت للحملات الدعائية.
واعلن المجلس الاعلى للقوات المسلحة انه قرر تعطيل الدستور، وهو اجراء لا بد منه من اجل ان يتمكن من اجراء التعديلات الدستورية والتشريعية وحل مجلسي الشعب والشورى. واوضح ان "رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة سيتولى تمثيله أمام الجهات كافة في الداخل والخارج"، وهو ما يعني ان وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي سيصير الرجل الاول في البلاد خلال هذه الفترة الانتقالية. وافاد أيضاً الى أنه سيتولى "إصدار مراسيم بقوانين خلال الفترة الانتقالية"، وكلف حكومة أحمد شفيق، التي عينها مبارك قبل سقوطه في 31 كانون الثاني الماضي، "الاستمرار في أعمالها الى حين تشكيل حكومة جديدة".
وابدى زعماء المعارضة ومحتجون ارتياحهم الى بيان الجيش. وصاح محتشدون في ميدان التحرير: "انتصار... انتصار"، بينما هتف آخرون: "لسه... مش كفاية". وعلق الزعيم المعارض أيمن نور الذي ترشح ضد مبارك في الانتخابات الرئاسية عام 2005 بأن هذا انتصار للثورة، وما أعلنه الجيش لا بد أن يكون لبى تطلعات المحتجين. وقال محمود نصار، وهو من قادة حركة الشباب إن الجيش نفذ جزءا كبيرا من مطالب الشعب. ودعاه إلى الإفراج عن جميع السجناء السياسيين الذين اعتقلوا قبل "ثورة 25 يناير" وبعدها، "وعندها فقط سنوقف الاحتجاجات".
وحض الاصلاحي البارز الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي الجيش على اشراك مدنيين في العملية الانتقالية. وقال لشبكة "سي ان ان" الاميركية للتلفزيون: "نريد مشاركة كثيفة للمدنيين... لا يمكن ان يكون الجيش هو الذي يدير العرض".
حكومة تسيير الاعمال في غضون ذلك، عقدت حكومة تسيير الاعمال جلستها الاولى منذ اطاحة مبارك، وأزال عمال صورة عملاقة للرئيس السابق من قاعة الجلسات. وسعى رئيس الوزراء الفريق أحمد شفيق الى طمأنة المواطنين في شأن الحكم العسكري بعد الجلسة، فقال إن الشؤون الحكومية تعرض على المجلس الأعلى ورئيسه، كما كانت تعرض على رئيس الجمهورية. واضاف في مؤتمر صحافي أن لا تغيير في الشكل أو طريقة العمل، وأكد أن الأمور مستقرة تماما، وأنه يضمن أن تعيد الحكومة الحالية حقوق الناس وتحارب الفساد. وفي ما يتعلق بمصير نائب الرئيس السابق اللواء عمر سليمان الذي عينه مبارك، قال إن دوره سيحدده المجلس الأعلى للقوات المسلحة. واشار الى ان الإعلامي عماد الدين أديب من أبرز المرشحين لمنصب وزير الإعلام، بعد استقالة أنس الفقي.
الى ذلك، استبعد أن تتأثر المشاريع النووية للبلاد بالاضطرابات السياسية، علماً أن مصر تنوي بناء أربع محطات نووية بحلول 2025. وعندما سئل شفيق عن مبارك، نفى أن يكون سافر الى الامارات، وقال إنه لا يزال في شرم الشيخ، وان الحكومة لم تتقدم بأي طلب لتجميد أمواله في الخارج. ولاحقاً، صرح ناطق باسم الحكومة بأنه "إذا اقتضت الحاجة سيكون هناك طلب (لتجميد الاموال)".
جدل في ميدان التحرير وعلى الارض، عادت حركة السيارات في ميدان التحرير، الذي كان معقل الانتفاضة المصرية، الى طبيعتها، في ما عدا منطقة واصل فيها بضع مئات من الشباب اعتصامهم. ولا تزال دبابات الجيش منتشرة في المكان، لكنها لم تعد تقفل الطرق المؤدية الى الميدان. وحصل بعض الاحتكاكات بين الجنود وبعض المصرين على مواصلة الاعتصام، لكن ذلك لم يحل دون استمرار اعمال التنظيف في الميدان التي بدأت صباح السبت. ودار جدل بين المحتجين في شأن البقاء في الميدان أو الامتثال لأوامر الجيش بالمساعدة في إعادة مصر إلى توازنها. فبينما هتفت مجموعة: "الشعب يريد إخلاء الميدان"، ردد آخرون: "مش حنمشي... مش حنمشي". الا أن تعليمات الجيش كانت واضحة.
وقال قائد الشرطة العسكرية محمد إبرهيم مصطفى علي إن الجنود أزالوا خيم المحتجين من الميدان، وإن الشرطة العسكرية لا تريد بقاء هؤلاء هناك. وروى محتجون أن الجنود اعتقلوا نحو 50 شخصا واقتادوهم إلى منطقة احتجاز تابعة للجيش قرب المتحف المصري قرب الميدان. وبينما كان رجال الشرطة العسكرية يتحركون لتفريق المحتجين، صاح مشاركون "سلمية سلمية". وسجلت مناوشات واستخدم بعض الجنود الهراوات. ويتشبث بضع مئات بالبقاء.
وقال محمد صلاح وهو محتج رفض إزالة خيمته: "لن أبرح الميدان. على جثتي. أنا أثق بالجيش لكنني لا أثق بمن يسيطرون على الجيش وراء الكواليس". لكن جهاد لبان، وهو محاسب، رأى أنه لا يزال هناك جهد كبير مطلوب لضمان عدم إهدار مكاسب الثورة. وقال: "لم يكن الهدف هو التخلص من مبارك. النظام بكامله فاسد، ولن نذهب قبل أن نرى إصلاحات حقيقية. سوف أدفن في التحرير. أنا هناك من أجل أبنائي. مصر غالية جداً لا يمكن التخلي عنها الآن".
تظاهرة للشرطة وإلى التوتر في ميدان التحرير، تظاهر رجال من الشرطة مطالبين بتحسين أوضاعهم، وحصل بعض الاحتكاكات بينهم وبين رجال الجيش الذين اطلقوا عيارات تحذيرية في الهواء. وروى مراسل "وكالة الصحافة الفرنسية" أن أكثر من الف شرطي تجمعوا امام مبنى وزارة الداخلية للمطالبة بزيادة رواتبهم، كما طالبوا باعدام وزير الداخلية السابق حبيب العادلي. والتقى وفد من المتظاهرين وزير الداخلية محمود وجدي، الذي وافق على مضاعفة علاواتهم، ومضاعفة نسبة أمناء الشرطة في كادر الضباط. وسمح الوزير بمعالجة جميع افراد الشرطة في مستشفيات الشرطة التي كانت وقفاً على الضباط الكبار، وعودة جميع أفراد هيئة الشرطة الذين أنهيت خدمتهم لارتكابهم مخالفات انضباطية وإدارية. وتواجه الشرطة المصرية اتهامات بالفساد ومعاملة المواطنين بعنف، خلافاً للجيش الذي يحظى بشعبية كبيرة ، وخصوصاً بعدما ابدى خلال التظاهرات الاحتجاجية قدراً كبيراً من الانضباط واستيعاب المتظاهرين.
وشدد رجال الشرطة المتظاهرون على انهم تلقوا أوامر بقمع التظاهرات، واشاروا ايضا الى انهم كانوا يتقاضون رواتب متدنية بسبب فساد الحكومة. وردد الشرطيون هتافات تطالب باعدام العادلي الممنوع من السفر. وعزز الجيش وجوده حول وزارة الداخلية بدبابة وعربة مدرعة. وحاولت مجموعة أخرى من رجال الشرطة الانضمام الى المتظاهرين المدنيين الذين كانوا لا يزالون يعتصمون في ميدان التحرير، وحملوا وروداً في اشارة الى تضامنهم مع المتظاهرين، وهتفوا "الشرطة والشعب يد واحدة". الا ان المتظاهرين استقبلوهم بالشتائم والضرب بالايدي. ونفذ عمال من وزارتي الثقافة والصحة احتجاجات عبروا فيها عن غضبهم بعد ثلاثة عقود من القوانين التي منعت المعارضة. واحتج موظفو بعض المصارف الحكومية مطالبين بزيادة رواتبهم، وهو ما دفع المصرف المركزي الى اعلان يوم عطلة مصرفية اليوم. وستكون المصارف مقفلة غداً أيضا في عطلة رسمية في مناسبة المولد النبوي.
العادلي على صعيد آخر، كشف مصدر قضائي ان النيابة العامة ستبدأ التحقيق مع العادلي بتهمة "غسل الاموال". وقال ان محكمة الجنايات ستنظر في 17 شباط في طلب النائب العام "التحفظ على اموال العادلي وزوجته ونجلهما". وكان النائب العام عبد المجيد محمود قرر "التحفظ على أموال حبيب العادلي وأفراد أسرته ومنع التصرف بها لما ورد من بلاغات عن تحويل ما يزيد على أربعة ملايين جنيه الى حسابه الشخصي من احدى شركات المقاولات". (و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، ي ب أ)
البيان رقم 5
هنا نص البيان الرقم 5 الذي اصدره المجلس الاعلى للقوات المسلحة عن المرحلة الانتقالية في مصر، والذي ذُيِّل بتوقيع رئيسه وزير الدفاع المشير محمد حسين طنطاوي: "ان المجلس الاعلى للقوات المسلحة، وعياً منه بمتطلبات هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الوطن، ووفاء بمسؤولياته التاريخية والدستورية في حماية البلاد والحفاظ على سلامة اراضيها وكفالة امنها، واضطلاعاً بتكليفه ادارة شؤون البلاد، يدرك ادراكاً واضحاً ان التحدي الحقيقي الذي يواجه وطننا الغالي مصر يكمن في تحقيق التقدم عبر اطلاق كل الطاقات الخلاقة لكل فرد من ابناء شعبنا العظيم، وذلك بتهيئة مناخ الحرية وتيسير سبل الديموقراطية من خلال تعديلات دستورية وتشريعية تحقق المطالب المشروعة التي عبر عنها شعبنا خلال الايام الماضية بل تجاوزها الى آفاق اكثر رحابة بما يليق بمكانة مصر التي سطر شعبها العظيم اول سطور الحضارة الانسانية. ان المجلس الاعلى للقوات المسلحة يؤمن ايماناً راسخاً بان حرية الانسان وسيادة القانون وتدعيم قيم المساواة والديموقراطية التعددية والعدالة الاجتماعية واجتثاث جذور الفساد هي أسس المشروعية لأي نظام حكم يقود البلاد في الفترة المقبلة، كما يؤمن أن كرامة الوطن ما هي الا انعكاس لكرامة كل فرد من افراده، فالمواطن الحر المعتز بإنسانيته هو حجر الزاوية في بناء وطنه. وانطلاقا مما سبق وبناء عليه، ورغبة في تحقيق نهضة شعبنا، فقد أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة القرارات الآتية: أولاً: تعطيل العمل بأحكام الدستور. ثانياً: يتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد بصفة موقتة لمدة 6 أشهر أو انتهاء انتخابات مجلسي الشعب والشورى ورئيس للجمهورية. ثالثاً: يتولى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة تمثيله أمام الجهات كافة في الداخل والخارج. رابعاً: حل مجلسي الشعب والشورى. خامساً: يتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إصدار مراسيم بقوانين خلال الفترة الانتقالية. سادساً: تشكيل لجنة لتعديل بعض المواد في الدستور وتحديد قواعد الاستفتاء عليها من الشعب. سابعاً: تكليف وزارة الدكتور أحمد محمد شفيق الاستمرار في أعمالها الى حين تشكيل حكومة جديدة. ثامنا: إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشورى والانتخابات الرئاسية. تاسعاً: تلتزم الدولة تنفيذ المعاهدات والمواثيق الدولية التي هي طرف فيها. والله الموفق والمستعان. المشير محمد حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة". (و ص ف)
|