|
ما ان انتشر النبأ في شوارع القاهرة حتى انفجرت المدينة في احتفالات. لقد رحل الطاغية المكروه. بدأت حقبة جديدة بالهتافات والدموع وإطلاق أبواق السيارات. هكذا كانت الحال في طهران، في مثل هذا اليوم قبل 32 سنة. في 11 شباط 1979، أعلن قائد القوات الجوية الإيرانية من الإذاعة العامة أن القوات المسلحة تنسحب من المعركة لإنقاذ الشاه محمد رضا بهلوي، وهو كان فر من البلاد قبل ثلاثة أسابيع. وبموقف الجيش هذا، انهار الحكم وتبدد كل أمل في إمكان عودة الشاه مما كان يعتبره إجازة في... مصر أنور السادات، يا للمفارقة. وبينما عادت القوات إلى الثكن، انطلقت الاحتفالات في طهران وأُطلقت آلاف الأبواق.
وأثارت تلك الثورة الشعبية على الشاه حذراً في الغرب الذي كان يرى في الشاه المخلوع حليفاً موثوقاً به يحدث توازناً مع الأنظمة العربية الموصوفة بأنها متشددة، ومع الفلسطينيين. كان وجه الثورة آية الله روح الله الخميني الذي تميز بخطابه المناهض للولايات المتحدة وتفسيره المتشدد للإسلام الذي لا يتناسب مع المصالح الغربية.
اليوم يبدو ثوريو مصر أقل تهديداً، يمثلون مروحة واسعة من الشباب الخبير بالانترنت والسياسيين والإسلاميين الذين جمعتهم كراهيتهم للرئيس حسني مبارك ورغبتهم في نظام ديموقراطي أكثر انفتاحاً. لعل أكثر من يمكن وصفه بأنه رمز للثورة المصرية هو المدير التنفيذي في "غوغل" وائل غنيم الذي أخرجت دموعه في مقابلة تلفزيونية بعد إطلاقه من الاعتقال، الكثير من أبناء الطبقة الوسطى إلى الشارع.
إن الصور التي انطلقت من طهران قبل نحو جيل، وما شهدته "ليلة التحرير" في القاهرة تبدو متقاربة الى حد كبير. الإحساس الكبير بالراحة، النشوة بين مناهضي الحكومة، المناخ الكرنفالي، صعود شعور بالفخر الوطني، والإيمان الكبير بأن النظام الجديد سيكون أكثر عدلاً ومساواة وديموقراطية. لم تكن الجماهير الإيرانية أقل تعطشاً الى الديموقراطية من المصريين الذين احتتدوا في ميدان التحرير. وإذا كان الإيرانيون وضعوا ثقتهم في رجال دين، فإن المصريين اتجهوا إلى الجيش العلماني. غير أن الثوريين المصريين استخدموا أدوات القرن الـ21، الانترنت والفايسبوك وتويتر، للدعوة إلى التظاهرات الأولى. ومع قطع الانترنت، تحولوا إلى القنوات التلفزيونية التي تبث بالعربية، "الجزيرة" و"العربية" و"الحرة"، لنقل صورة ما يجري في الشوارع.
لم تكن الأدوات التكنولوجية متاحة للإيرانيين. وكانت خطب الإمام الخميني ورسائله تُسرب بالكاسيتات من منفاه الباريسي إلى البلاد وتوزع في المساجد. من هناك كانت تنطلق الدعوات لتشمل شبكة من رجال الدين والمثقفين. ولأن قناة "الجزيرة" لم تكن موجودة، اعتمد الإيرانيون على بث هيئة الإذاعة البريطانية "البي بي سي" بالفارسية. حتى أن الكثير من الصحافيين الأجانب كانوا يقولون إنهم يعملون في الـ"بي بي سي" حين يواجههم متظاهرون معادون للأميركيين. كل أنصار الخميني كانوا يجيدون القول بالانكليزية: "آه يو (انت مع) بي بي سي؟ بي بي سي فيري غود (جيدة جداً)". وتحولت جامعة طهران منبراً كبيراً، كان الناس يأتون يومياً للاستماع إلى الخطب المناهضة للشاه.
تطلب الأمر 18 يوماً فقط لإرغام مبارك على التنحي بعدما حكم البلاد ثلاثة عقود. وعلى رغم بعض أعمال العنف والسرقة، استمرت الحياة كالمعتاد، وإن ازداد عدد المتظاهرين في ميدان التحرير. لم يكن هذا هو حال الثورة الإيرانية. فهي بدأت في حزيران 1978 بتظاهرات مناهضة للشاه. وبحلول نهاية السنة، شلت الإضرابات والتظاهرات البلاد. وتعطل عمل الوزارات وتوقفت رحلات الطيران. ومع منع للتجول يبدأ يومياً في التاسعة مساء، هرع الإيرانيون ليلاً إلى منازل تخلو من التدفئة. ثم زادت التظاهرات عنفاً، وكان المشاركون فيها يهتفون "شهيد" كلما سقط أحدهم. وانقطعت إمدادات الطعام والغاز وقطعت الكهرباء. ولفت الفوضى طهران الى ان رحل الشاه في 16 كانون الثاني 1979، وعاد الخميني بعد أسبوعين واستقبله الملايين. حققت الثورة المصرية هدفها، إطاحة مبارك، قبل ولادة نزاع يفكك النسيج الاجتماعي للمجتمع المصري. وبعد تنحيه، احتفل المصريون في الشوارع ولوحوا بالأعلام وأطلقوا الألعاب النارية ورددوا الأناشيد الوطنية حتى الفجر.
قبل ثلاثة عقود، أطلق رحيل الشاه ثلاثة أيام رهيبة من السرقة والتخريب والقتال في الشوارع. وهجم أنصار الخميني على السجون ومراكز الشرطة فسرقوا السلاح. كانت الثورة بأشهرها الطويلة شلت المجتمع وولدت شقاقات. ثم أُطلقت دعوات لمعاقبة الأجانب. قاوم نظاه الشاه مطالب الشارع فانهار، فولد نظام اجتماعي وسياسي بالغ الاختلاف، ولا تزال آثار ذلك ماثلة في ايران والمنطقة بأسرها. تنحى مبارك، والعالم يترقب ما إذا كانت النتيجة ستكون مختلفة عما آلت إليه في طهران. • مقال لمراسل وكالة "الأسوشيتد برس" الإقليمي في الشرق الأوسط روبرت ريد الذي غطى الثورة الإيرانية عام 1979، وأمضى ثلاثة أسابيع في القاهرة شاهداً على الثورة المصرية. (أ ب)
|