التاريخ: شباط ١٤, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
تداعيات «الثورة»: حملة تحضّ المواطنين على التصدي لـ «الفساد»

الإثنين, 14 فبراير 2011
القاهرة - أمينة خيري


الشعب لا يريد إسقاط النظام فقط، لكنه يريد إسقاط المنظومات الاجتماعية والاقتصادية «الفاسدة» التي التصقت بالنظام، فبعد يومين من الإسقاط الفعلي للنظام، تعالت أصوات المصريين المطالِبة بإسقاط منظومات مثل: «كل سنة وأنت طيب» و «الشعب في خدمة الشرطة» و «طنش تعيش تاكل قراقيش» و «أنا ومن بعدي الطوفان» و «خليك في حالك» و «امشي جنب الحائط لو خايف على عيالك»... وغيرها من المفاهيم التي زرعت جذور الفساد الاجتماعي والاقتصادي بين المواطنين من جهة، وبينهم وبين الجهات الرسمية التي يتعاملون معها من جهة أخرى.


ملايين الرسائل القصيرة يتم تداولها هذه الأيام عبر هواتف المصريين المحمولة والبالغ عدد خطوطها نحو 65.5 مليون خط، بالإضافة إلى ملصقات وأوراق مطبوعة يتم تعليقها في شتى أنحاء المدن المصرية، تدعو المواطنين إلى إعادة بناء مصر. دعوة إعادة البناء هذه دعوة اجتماعية بحتة، فهي تطالب المصريين، كل المصريين، بالعمل على تنفيذ نقاط محددة، هي: شراء المنتجات المحلية، اتباع القواعد والأخلاق أثناء القيادة، التوقف عن الصياح وتعلّم الإنصات، قضاء الإجازات في مصر وليس في الخارج، جذب الأصدقاء من غير المصريين لقضاء عطلاتهم في مصر، المحافظة على نظافة الشوارع وعدم إلقاء القمامة فيها، مساعدة الكيانات الاقتصادية الصغيرة وتقديم يد العون لها حتى لا تغلق أبوابها، لا سيما الأكشاك والمحلات الصغيرة، التبرّع بالدم، الإدلاء بالصوت في انتخابات الرئاسة المقبلة، إذا طلب أحدهم رشوة منك سارع بإبلاغ مديره أو المسؤول عنه وجنّب نفسك عن أن تكون طرفاً في هذا الفساد.


ومعروف أن هذا الفساد، وتحديداً الرشاوى والإكراميات، خضعت لنظرية داروين الشهيرة المعروفة بـ «النشوء والارتقاء»، فهي لم تعد مجرد جنيه يدسه المواطن في يد عامل الكاراج، أو عامل محطة الوقود، لكنها صارت بنداً أساسياً في حياة كل مصري، وخضعت لعمليات تطوير وتنظيم، فبات الفقير يدفع رشاوى شبه إجبارية من راتبه الضئيل من أجل إنجاز الأوراق الحكومية، ومتوسِّط الحال يدفع راتباً شهرياً لشخص قرر أن يهيمن على الرصيف من أجل إيقاف السيارات في الشارع، وحتى القابعون في أعلى الهرم الاقتصادي باتوا يلعبون دوراً فعالاً في إنعاش منظومة الرشاوى، سواء كمتلقين لها كعمولات غير شرعية في صفقات مشبوهة، أو كدافعين لها.


ووصل الأمر إلى درجة لجوء البعض إلى دار الإفتاء للسؤال عمّا إذا كانت الرشوة حلالاً أم حراماً، وجاء الرد أغرب من السؤال، فقد أجازت دار الإفتاء من قبل «تقديم الرشوة لمن يطلبها إذا قام بتعطيل المصلحة ولم يجد صاحبها نصيراً ينصره، وأن فقهاء المذاهب الأربعة أجازوا لمن تعطلت مصالحه ولم يجد له نصيراً ينصره على الحق ولا من يستجير به من طرف القوة، أن يقدِّم الرشوة للفاسق الذي يطلبها».


في مصر، كان الفاسقون الذين يطلبون الرشاوى، لا سيما في العقدين الماضيين، كثراً. والمؤكد أن جزءاً كبيراً من تأزم العلاقة بين المواطن والشرطي في مصر، وهي إحدى جمرات ثورة 25 كانون الثاني (يناير) الرئيسة، يعود إلى ضلوع بعض من رجال الشرطة في منظومة الرشاوى. وإذا كانت الرشاوى الكبرى لم يتم كشف الستار عنها بعد، فإن الرشاوى الصغرى، والتي مست كل مواطن بطريقة أو بأخرى، وحّدت الجميع على معاداة الشرطة. وقد تراوحت بين دس بضع جنيهات في يد مندوب المرور للسماح له بإيقاف السيارة في صف ثان، أو وضع 20 جنيهاً في حال طلب شرطي الاطلاع على الرخصة وكان فيها ما يخالف، أو فرض إتاوات على المحلات عبارة عن بضائع عينية... وغيرها. وعزز هذا العداء تغيير شعار «الشرطة في خدمة الشعب» إلى «الشعب والشرطة في خدمة الوطن» في عهد وزير الداخلية السابق اللواء حسن الألفي، لكن واقع الحال كان يؤكد أن «الشعب بات في خدمة الشرطة».


شعار آخر لكنه جديد تماماً يرفرف في أرجاء مصر حالياً، هو «من النهاردة دي بلدك أنت»، وهو الشعار الذي خرج من «ميدان التحرير». لم يتلقف هذا الشعار المواطنون العاديون الذين طالما شعروا أنهم ضيوف في بلدهم وحسب، ولكن تلقفته مؤسسات كبرى نشرته في صورة إعلانات مدفوعة في الصفحات اليومية، لحضِّ المصريين على إحداث صحوة اجتماعية بعد الصحوة السياسية الجارية.
صحوة كلية تشهدها مصر، ورغبة حقيقية تعم الجميع من أجل القضاء على كل المنظومات الفاسدة التي وُلِدت من رحم النظام السابق، بدءاً من «ونا مالي»، بعداً من المشكلات، ومروراً بـ «طنّش تعيش»، بحثاً عن لقمة العيش بعيداً من ملاحقة الفساد والمفسدين، وانتهاء بـ «كل سنة وأنت طيب» أملاً في صدقة قليلة تمنع بلاوي كتيرة.