محمد برهومة منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة كان أحد الأسئلة الأساسية المطروحة: كيف سيكون موقف مصر حيال هذا الحدث؟. طرح هذا السؤال بقوة مرده أنّ «حماس» التي تحكم قطاع غزة صُنفتْ، منذ شهور، من قبل السلطات المصرية الجديدة بوصفها «مهدداً للأمن القومي المصري» وأنها فرع لـ «الإخوان المسلمين» الذين تم تصنيفهم في مصر كحركة «إرهابية». هذا المحدد حاضر بشكل أساسي في السجال الدائر حول غزة ومساعي التهدئة. فالقاهرة التي تجنبت، منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، الحديث مباشرة مع «حماس» تنظر إلى رفض الحركة مبادرتها لوقف إطلاق النار وكأنه «إهانة ديبلوماسية» دفعت وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى اتهام قطر وتركيا وحركة «حماس» بـ «التآمر لتقويض جهود مصر الرامية لوقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة». وقد ردّ رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، على ذلك بالقول إن «الإدارة في مصر ليست شرعية»، متهماً السلطات المصرية بأنها «تريد استبعاد حماس من أي اتفاق سلام في غزة».
النخب المصرية اليوم أكثر تشدداً مع «حماس»، وفي ردها على المواقع الإعلامية القريبة من «الإخوان» والتي تزعم بأن ثمة تفاهماً مصرياً - إسرائيليا بشأن تنفيذ العدوان على غزة، تكاد تقول هذه النخب إنه ينبغي دحض مقولة (غزة ليست «حماس») لأنها المدخل الذي تلج الحركة عبره لتحقيق مكاسب سياسية «إجبارية» تحت وطأة «قضية العرب المركزية» ولافتات الاحتلال والقصف الإسرائيلي وسقوط الضحايا والمدنيين والإبرياء من النساء والأطفال. وتذكّر هذه النخب بأن موقف الرئيس الإخواني محمد مرسي من عدوان إسرائيل على غزة عام 2012 حينما كان رئيساً لمصر لم يختلف كثيراً عن موقف عبد الفتاح السيسي اليوم من عدوان إسرائيل الجاري على غزة.
ربما يصعب غض الطرف عن أن مصر بشكل خاص والدول العربية عموماً استقبلت العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة بشكل مختلف. وربما كان الصوت الأعلى في مصر، كما ظهر في الإعلام وبخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت «باروميتير المجتمعات العربية»، أنه «ليس من المنطقي أن تهبّ مصر لنجدة غزة في ظل سيطرة حركة (حماس) على القطاع». لم تتجاوز الاحتجاجات المصرية على ما يجري في غزة عن وقفة احتجاجية متواضعة ضمت عدداً من النشطاء قرب نقابة الصحافيين المصريين. هذا يحدث، ربما، لأول مرة، وهو يكشف عن التغيير في المزاج المصري تحت وطأة ما قيل عن موقف «حماس» من ثورة 25 يناير وما أعقبها من أحداث مروراً بعزل محمد مرسي وصولاً إلى اختيار عبد الفتاح السيسي رئيساً لمصر. هنا يجرى الحديث عن دعم «حماس» لـ «الإخوان المسلمين» واتهامها في فتح السجون المصرية إبان ثورة 25 يناير، ومدى دعمها للنشاط الجهادي المسلح في سيناء في أعقاب عزل مرسي وإغلاق الأنفاق الواصلة بين سيناء والقطاع، وما نجم عن ذلك كله من مقتل جنود مصريين على الحدود، ما أدى، في المحصلة، إلى اعتبار السلطات المصرية «حماس» خطراً على الأمن القومي المصري ورديفاً لجماعة «الإخوان».
بحسابات سياسية مجردة، أظهر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة ازدياداً في قوائم من يخاصمون «حماس» ويعادونها ويسعون إلى إفشالها ومواجهتها. يقول هؤلاء الخصوم المتكاثرون إنّ «حماس» لم يتبقَ لها حلفاء في المنطقة اليوم سوى تركيا وقطر. حتى إيران لم تشأ أن «تخرّب» أي مواقف شديدة لها عن غزة مفاوضاتها النووية الجارية مع الغرب. وبشار الأسد وصف «حماس» في خطاب أدائه اليمين رئيساً لولاية جديدة قبل أيام بـ «ناكري الجميل». وإذا شئنا أنْ نرصد حجم التغيّر الذي أصاب الشعب المصري على وجه الخصوص والشعوب العربية والإسلامية بعامة إزاء الهمجية الإسرائيلية في قصفها غزة منذ أيام، فسنلحظ تضاؤلاً بيّناً في الاحتجاج والتظاهرات، يعبّر، جزئياً، عن مرحلة عربية جديدة، يجرى فيها، في اللاوعي الشعبي إجراء مقارنة بين الدم المسفوك في غزة على يد الغطرسة الإسرائيلية المحتلة والدم المسفوك في سورية والعراق وليبيا واليمن على يد أنظمة ديكتاتورية دموية غاشمة أو فصائل وميليشيات مسلحة أو تنظيمات جهادية سلفية لا تعرف لغة سوى العنف الدموي.
«تعكّر مزاج» بعض المصريين حيال «حماس» دفع هؤلاء إلى تطرف سياسي، تم التعبير عنه بالقول إن «الشعب المصري أحق بالمساعدات وأحوج إليها من أهل غزة»!
المعنى في ما تقدم أنّ ثمة ما يشبه الـ «فيتو» من قبل قوى إقليمية عدة بألا تعود «حماس - الإخوان المسلمين» أكثر قوة ونفوذاً بعد العدوان الإسرائيلي على غزة، كي لا تتكرر تجربة «حزب الله» اللبناني مجدداً في غزة وربما الضفة الغربية وعلى الحدود مع مصر، أيْ اختطاف قرار الحرب والسلم مع إسرائيل، والتحول مخلباً في يد قوى إقليمية معينة. هذا ما لا تريده مصر السيسي ... ولا حلفاؤها. |