|
واشنطن – من هشام ملحم: نيويورك – من علي بردى: العواصم – الوكالات:
وقت يحشد معارضو النظام الليبي ومؤيدوه قواتهم استعداداً لمرحلة جديدة من المواجهات (راجع العرب والعالم)، تعرّض الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي لمزيد من الضغوط الدولية على رغم انها لم تكن موضع اجماع وخصوصاً في ما يتعلق باحتمال فرض منطقة للحظر الجوي فوق ليبيا. اذ برزت معارضة فرنسية من داخل حلف شمال الاطلسي لهذه الخطوة ومعارضة روسية من خارج الحلف. لكن ذلك لم يمنع الولايات المتحدة من المضي في ارسال بوارجها نحو الشواطئ الليبية تحسباً "لأي طارئ". وبدت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون اكثر حسماً في مواقفها عندما قالت ان ليبيا تتأرجح الآن بين احتمالين، فإما ان تكون دولة ديموقراطية، واما ان تسير في اتجاه الحرب الاهلية. وكان لافتاً امس صدور موقف عن الكرملين اعتبر فيه ان القذافي "مات سياسياً". واتخذت الجمعية العمومية للامم المتحدة قراراً بتعليق عضوية ليبيا في مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان. وجمّد مزيد من الدول الغربية الأرصدة الليبية لديه.
المعارضة الليبية وأمام تفوّق القوات الموالية للقذافي على المحتجين، قال مسؤولون في المعارضة الليبية عقب اعلان انشاء مجلس عسكري في بنغازي بشرق البلاد، انهم لا يستبعدون الطلب من دول اجنبية توجيه ضربات جوية الى قوات القذافي اذا وجدوا انفسهم عاجزين وحدهم عن اسقاط نظامه. وقالت العضو في ائتلاف محامين وناشطين سلوى بوغايغي ان القوات الحكومية في غرب البلاد تشكل خطراً كبيراً على المعارضة. واضافت ان قادة المعارضة منقسمون بين من هم مع "الحل الدولي" ومن هم ضده. واوضحت ان الائتلاف الذي تنتمي اليه يطالب باقامة منطقة حظر جوي لمنع القذافي من تعزيز قواته في طرابلس وسرت خصوصاً. الا ان معارضين آخرين كانوا يشاركون في الاجتماع اعلنوا ان الائتلاف يميل الى طلب غارات جوية تشنها دول اجنبية ربما بتفويض من الامم المتحدة على اهداف استراتيجية ليبية. وقال احد المسؤولين في المعارضة طالباً عدم ذكر اسمه ان "المشاركين اتفقوا على درس تقديم طلب لتوجيه ضربات جوية".
كلينتون وفي شهادة اولى امام الكونغرس منذ التظاهرات الشعبية التي اطاحت الرئيسين التونسي زين العابدين بن علي والمصري حسني مبارك والتي تهدد اليوم نظام القذافي، كررت كلينتون مطالبتها الزعيم الليبي بالتنحي، قائلة: "عليه الرحيل الآن من دون عنف اضافي ومن دون تأخير". واضافت ان حكومتها تدرس الآن مع حلفائها في حلف شمال الاطلسي امكان فرض حظر جوي فوق ليبيا، وانها لاحظت ان ثمة اسئلة عن هذا الحظر وانه "لا يزال قيد درس نشيط". واكدت ان "مختلف الخيارات مطروحة على الطاولة ما دامت الحكومة الليبية تواصل اطلاق النار على شعبها". واوضحت ان الادارة الاميركية تعمل على "ترجمة غضب العالم الى اجراءات ونتائج".
ثم قالت: "المنطقة بأسرها تتغير، ووجود رد اميركي قوي واستراتيجي هو امر حيوي... في السنوات المقبلة، يمكن ان تتحوّل ليبيا دولة ديموقراطية مسالمة، او يمكن ان تواجه حرباً اهلية طويلة، او ان تنزلق الى الفوضى". وشددت على ضرورة استخدام استراتيجية متكاملة تشمل "القوة الذكية، والديبلوماسية والتنمية والدفاع من اجل حماية الامن والمصالح الاميركية وكذلك قيمنا". ورفضت الطرح القائل بأن حكومتها تأخرت في اتخاذ موقف قوي من الاحداث في ليبيا، لا بل قالت ان حكومتها كانت في الطليعة حين فرضت عقوبات على القذافي وافراد عائلته وجمّدت حساباتهم، واشارت الى ان الاتحاد الاوروبي ودولاً اخرى سوف تعلن عن قرارات اضافية في هذا الشأن.
وبعدما تطرقت الى الوضع العسكري في ليبيا ومحاولات القذافي حماية منطقة طرابلس وغيرها من المواقع القليلة التي لا يزال يسيطر عليها، ذكرت ان المعارضة لا تعزز مواقعها في المناطق الخاضعة لها فحسب، بل انها تعمل "على استعادة طرابلس من العقيد القذافي". وكانت واشنطن قد تعرضت لانتقادات لانها لم تتحرك بسرعة لحشد قواتها وتأخرت في سحب رعاياها كما فعلت الصين ودول اوروبية اخرى. وردت كلينتون على هذه الانتقادات التي كررها احد النواب قائلة: "دعني اقول انه ليس للدول الاخرى تاريخ مماثل لتاريخنا مع ليبيا، واذا نظرت الى التصريحات الاولية الصادرة عن القذافي وقيادته، فإنهم لم يتحدثوا عن الصينيين، بل تحدثوا عن الاميركيين، واحتلت سفارتنا في ليبيا في 1979، واعتقد اننا تعاملنا مع الامر بطريقة مسؤولة وفعّالة، وفعلنا ذلك بطريقة لم تطلق اجراس الانذار في انحاء المنطقة والعالم وبأننا نعتزم الغزو للحصول على النفط". ولفتت الى ان اي مراجعة لمواقع الانترنت التي تراقب ما يحدث في الشرق الاوسط "تظهر تركيزاً مستمراً يدعي ان الولايات المتحدة تعتزم غزو ليبيا للسيطرة على نفطها، ونحن لا نستطيع ان نسمح بحصول ذلك... وسوف نقف مع الشعب الليبي لتحقيق تطلعاته، وآخر شيء اردنا ان نفعله هو ان نبدأ بنشر القوات العسكرية...”.
كما ادلت كلينتون بتفسير آخر للتردد الاميركي في التدخل المباشر في الشؤون الليبية، بأنه يعود الى احترام حكومتها لرغبة المعارضة الليبية في أن تتخلص وحدها من نظام القذافي نيابة عن الشعب الليبي "والا يكون هناك تدخل خارجي من اي قوة اجنبية، لانهم يريدون ان يحققوا هذا الهدف بأنفسهم، ونحن نحترم ذلك". لكن ذلك لم يمنع كلينتون من القول ان وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" بدأت بالتعاون مع حلف شمال الاطلسي للتحضير لامكان "اتخاذ الاجراءات الضرورية اما للاعتبارات الانسانية واما لغيرها. وأحد هذه الاجراءات قيد الدرس هو فرض حظر جوي".
وفي هذا السياق، ابلغ الجنرال جيمس ماتيس قائد القيادة المركزية المسؤولة عن جميع القوات الاميركية المنتشرة في جنوب آسيا والشرق الاوسط، زعماء الكونغرس ان فرض حظر جوي فوق ليبيا تقتضي تدمير الدفاعات الجوية الليبية تمهيداً لحماية الطائرات التي ستفرض حظر طيران سلاح الجو الليبي.
وقالت المندوبة الاميركية الدائمة لدى الامم المتحدة الوزيرة سوزان رايس للصحافيين في واشنطن ان حكومتها ستواصل الضغط على القذافي لارغامه على التنحي، وفي الوقت عينه العمل على منع حصول ازمة انسانية واحتواء اسعار النفط. واضافت: "سوف نواصل الضغط على القذافي كي يتنحى وان يسمح للشعب الليبي بالتعبير عن نفسه وان يقرر مصيره".
واكد وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس ان سفينتي انزال برمائيتين ستصلان قريباً الى البحر المتوسط، بينما يرسل 400 من مشاة البحرية "المارينز" مجهزين للمشاركة في عمليات اجلاء وعمليات انسانية اذا اقتضى الامر. وقال: "ندرس كثيراً من الخيارات وخطط الطوارئ. لم تتخذ قرارات او اي اجراءات اخرى"، مشيراً الى ان الامم المتحدة لم تعتمد استخدام القوة في ليبيا وان دول حلف شمال الاطلسي لم تتوصل الى اتفاق على امكان استخدام القوة العسكرية. واضاف: "وظيفتنا هي اتاحة اوسع قدر ممكن من مساحة اتخاذ القرار امام الرئيس".
وقال رئيس هيئة الاكان الاميركية المشتركة الاميرال مايكل مولن ان اقامة منطقة حظر جوي فوق ليبيا عملية معقدة جداً. "اذا كنا سنقيمها... سيتعيّن علينا ان نعمل على ان يكون ذلك بطريقة آمنة وألا نضع انفسنا في خطر" من الدفاع الجوي الليبي. واعلن ان لا مؤشرات لكون ايران تؤجج الاضطرابات الشعبية التي جلبت تغييرات سياسية كاسحة عبر الشرق الاوسط.
الجمعية العمومية وفي نيويورك، اتخذت الجمعية العمومية للأمم المتحدة قراراً تاريخياً بالإجماع علقت بموجبه "حقوق عضوية" ليبيا في مجلس الامم المتحدة لحقوق الإنسان، بسبب الإنتهاكات الدموية الخطيرة التي يرتكبها القذافي في حق الشعب الليبي. وتولى المندوب اللبناني الدائم لدى الأمم المتحدة السفير نواف سلام تقديم مشروع القرار الذي أبدت فنزويلا تحفظات عنه وصلت الى حد التلويح بطلب التصويت عليه. بيد أن مفاوضات اللحظة الأخيرة أدت الى موافقتها على عدم خرق الإجماع الدولي.
واستهلت الجلسة التي رأسها رئيس الجمعية العمومية للأمم المتحدة جوزف ريس بكلمة للأمين العام للأمم المتحدة بان كي - مون أيد فيها توصية مجلس حقوق الإنسان بتعليق حقوق عضوية ليبيا في المجلس بسبب أعمال العنف المرتكبة ضد المدنيين هناك. وقال إن "العالم قد تحدث بصوت واحد، إننا نطالب بوقف فوري للعنف ضد المدنيين وباحترام كامل لحقوق الإنسان الأساسية بما في ذلك حريتا التجمع السلمي والتعبير".
ثم تحدث سلام فذكر بأن لبنان كان من الدول التي ساهمت في وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبأن الدستور اللبناني ينص في مقدمته على احترام هذا الإعلان. وقال: "لا يسعنا ونحن في صدد التصدي للإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ليبيا اليوم سوى التذكير بأن لهذه الإنتهاكات تاريخاً طويلاًً"، لافتاً خصوصاً الى "الجريمة المستمرة منذ عام 1978 والمتمثلة في احتجاز حرية واخفاء القائد الوطني والروحي اللبناني الإمام موسى الصدر ورفيقيه، وهو رجل الحوار والإنفتاح الذي عمل على اعلاء فكرة الحرية وقيمة الإنسان". وأكد أن "مسألة اليوم تثبت لكل من لا يزال في حاجة الى اثبات كهذا أن قضية حقوق الإنسان عالمية ، لا ميزة فيها لحضارة أو دين أو ثقافة أو منطقة من العالم على أخرى".
وينص مشروع القرار الذي أعده لبنان وساهمت في رعايته أولاً قطر والأردن وبوتسوانا والغابون ونيجيريا، ثم عدد كبير من الدول قبيل التصويت، على أن "الجمعية العمومية، إذ تشير الى القرار 60/251 المؤرخ 15 آذار 2006، وعلى وجه الخصوص الفقرة الثامنة، التي تذكر أنه يجوز للجمعية العومية أن تقرر تعليق حقوق عضوية مجلس حقوق الإنسان التي تتمتع بها أي من أعضائه إذا ما ارتكب انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان، وإذ تلاحظ قرار مجلس حقوق الإنسان أس 15/1 المؤرخ 25 شباط 2011، وإذ ترحب بالبيان الذي أصدرته جامعة الدول العربية في 22 شباط 2011 والبيان الذي أصدره مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي في 23 شباط 2011، وإذ تعرب عن قلقها العميق على حال حقوق الإنسان في الجماهيرية العربية الليبية، تقرر:
1 - تعليق حقوق عضوية الجماهيرية العربية الليبية في مجلس حقوق الإنسان، 2 - عرض هذه المسألة، عند الاقتضاء". وبعد اعتماد القرار، حمل المندوب الفنزويلي الدائم لدى الأمم المتحدة خورخي فاليرو بريشينو بشدة على الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع نظيرته الأميركية سوزان رايس الى تقريعه. وقالت إن "لا مكان بعد اليوم في مجلس حقوق الإنسان لمن يوجه الرصاص الى شعبه"، مكررة أنه على العقيد معمر القذافي أن "يرحل وأن يرحل الآن".
|