|
ضرب النظام الليبي بزعامة العقيد معمر القذافي أمس مجدداً عرض الحائط بالضغوط الغربية المتزايدة عليه، بنشره تعزيزات عسكرية في منطقة قريبة من الحدود الغربية لبلاده، واستعادة قواته بلدة جبلية استراتيجية مطلة على طرابلس، مما زاد المخاوف من منحى أشد عنفاً في واحد من أكثر الاحتجاجات دموية في العالم العربي. ومع سعي حركة الاحتجاج الليبية الى دعم مكاسبها في شرق البلاد وحول العاصمة، أعلنت انشاء مجلس عسكري في بنغازي ليكون نواة لجيش تسعى المعارضة الى نشره في المدن الاخرى التي تسيطر عليها في الشرق والغرب. فبعد 12 ساعة من اعلان الولايات المتحدة انها تحرك سفنا حربية وقوات جوية إلى مناطق أقرب من ليبيا، عادت قوات القذافي لتثبت وجودها في معبر ذهيبة الحدودي وزينت موقعها بالاعلام الليبية، بعدما كانت غادرته الاحد.
وقال صحافيون في الجانب التونسي من الحدود ان وحدات من الجيش الليبي ظهرت قبل غروب شمس الاثنين واعلنت ان الحدود مقفلة الآن. وشاهدوا عربات للجيش الليبي وجنودا يحملون بنادق "كلاشنيكوف"، بعدما خلت تلك المنطقة الاحد من أي وجود أمني. وروى أحد الشهود أنه رأى "نحو 20 عسكرياً في واسن. وآليتين تتجهان صوب واسن وعلى متنهما نحو 40 جنديا". ويصعب على الصحافيين عموماً تقويم الوضع على الارض بسبب الصعوبات في التنقل في بعض مناطق الدولة الصحراوية وضعف الاتصالات. لكن سكاناً في نالوت، على مسافة 60 كيلومترا من الحدود التونسية في غرب ليبيا، والتي انضمت الى الثوار، أكدوا ان القوات الموالية للقذافي انتشرت من جديد في مناطق حدودية لبسط سيطرتها عليها. وقال رجل اسمه سامي لـ "رويترز" ان القوات الموالية للقذافي "تحيط بالمنطقة القريبة من الحدود التونسية.. جاءت برشاشات ثقيلة على سيارات رباعية الدفع وعشرات من المسلحين المجهزين بأسلحة خفيفة".
كذلك استعادت قوات موالية للقذافي بلدة غاريان بجبل نافوسة المطلة على طرابلس، وأقامت حواجز على طول الطريق التي تربطها بزنتان. وسيطر الثوار على المنطقة حتى الجمعة الماضي عندما وصلت كتيبة منتصف الليل ونشرت دبابات وقوات. وقال شاهد: "كانوا هادئين جداً، واعتقدنا أنهم انضموا الى الثوار"، مشيراً الى أن المقاومة في المدينة لم تكن مسلحة. وروى آخرون أن قوات النظام اطلقت حملة مطاردة للائحة من الثوار، واعتقلت أربعة ضباط على الاقل لانشقاقهم عن قيادتهم.
مصراتة والزاوية في غضون ذلك، تحدث شهود في مصراته، وهي مدينة يسكنها نصف مليون نسمة على مسافة 150 كيلومتراً شرق طرابلس، وفي الزاوية، البلدة الاستراتيجية التي تؤوي مصفاة نفطية على مسافة 50 كيلومترا غرب العاصمة، عن صد الثوار هجمات لقوات القذافي ليلاً. ففي الزاوية، قال سكان أن ميليشيات القذافي قاتلت الثوار طوال ست ساعات خلال الليل، الا أنها لم تستطع استعادة المدينة. وأوضحوا أن آخر الهجمات حصل قرابة الثالثة فجراً. وجاب سكان الساحة الرئيسية وهم يهتفون: "الله أكبر" وحمل بعضهم على أكتافهم ضابطاً في سلاح الجو قالوا انه انضم الى صفوفهم أخيراً. وقال أحدهم:"كنا قلقين من غارات جوية، الا أن ذلك لم يحصل".
وأوضح آخر انه حصلت مناوشات مع القوات الموالية للقذافي خلال الليل، لكن الموقف هادئ الان. وأضاف: "رجالنا فتحوا النار على نقطة تفتيش، ففروا (القوات الموالية للقذافي). أخذنا مدفعاً مضاداً للطائرات والكثير من بنادق الكلاشنيكوف التي تركوها وراءهم. وقتل ثلاثة جنود من جانبهم". كذلك، سيطرت المعارضة على مصراتة.
لكن قوات موالية للقذافي تسيطر على جزء من القاعدة الجوية في المدينة حاولت التقدم الاثنين، الا أن الثوار، بمن فيهم سكان يحملون بنادق آلية ووحدات منشقة من الجيش، صدوها. ولم يسجل سقوط ضحايا في الاشتباكات، وقالت قوات المعارضة انها اعتقلت ثمانية جنود، بينهم ضابط كبير. وفي زنتان، قال سكان إن قوات القذافي هاجمت المدينة للمرة الثانية منذ سقطت في أيدي الثوار أواخر شباط، الا أنهم اضافوا أن ثمة تعزيزات تؤشر لاستعدادات لهجوم جديد. وثمة تقارير عن سقوط منطقة مجاورة تعرف بخط جبل العرب في أيدي الثوار، بما فيها بلدات لانوت وكيكلا وكابو.
طرابلس وفي طرابلس، المعقل الاخير للقذافي، قتل بضعة اشخاص وأصيب آخرون الاثنين، عندما فتحت القوات الموالية للزعيم الليبي النار لتفريق محتجين في حي تاجوراء، استناداً الى صحيفة "قورينا" الليبية. وقال أحد سكان طرابلس ان ثمة وجوداً كثيفاً لقوى الامن، "ونحن في انتظار الفرصة للاحتجاج... نأمل في أن ينتهي هذا قريباً، لكنني اعتقد انه سيستغرق فترة أطول كثيرا مما كان متوقعاً". وشوهدت في طرابلس صفوف من المواطنين أمام المخابز، وأثار ارتفاع اسعار الارز والطحين استياء السكان. وقال باسم (25 سنة) الذي يعمل في مصرف: "لا طعام كافياً"، وأن عددا كبيرا من العاملين في القطاع العام لم يتسلم راتب شباط بعد. وقال صلاح (35 سنة) وهو طبيب، بينما كان واقفاً امام أحد المخابز، إن "الموقف خطير. بالطبع انا قلق. أسرتي خائفة. انهم ينتظرون في المنزل. نسمع اطلاق نار. لكن الناس متحدون أملاً في ان يهدأ الموقف. عمري 35 سنة ولم اشهد في ليبيا شيئا كهذا... هذا شيء مخيف".
كذلك احتشد المواطنون امام المصارف التي تمتلكها الدولة والتي بدأت توزيع منحة مقدارها نحو 400 دولار لكل أسرة، في محاولة من حكومة القذافي لحشد التأييد له. وفي محاولة من النظام الليبي لاظهار أنه لا يزال القوة الشرعية الوحيدة في البلاد، وأنه لا يزال يشعر بتعاطف مع المناطق "المحررة" في شرق البلاد، ارسل18 شاحنة محملة أرزاً وسكراً وبيضاً من طرابلس الى بنغازي. كذلك ضمت المساعدات مواد طبية.
مجلس عسكري وفي المقابل تمضي المعارضة في الشرق في تنظيم صفوفها. وقالت المسؤولة في المعارضة في بنغازي سلوى بوغايغي أنه "تم تشكيل مجلس عسكري". ولم تحدد بعد قائمة اعضاء هذا المجلس الذي سيتولى التواصل مع التنظيمات المشابهة في المدن الاخرى "المحررة". وقال المحامي فتحي تربل المسؤول في المعارضة: "لا تزال هناك تحفظات عن بعض الاسماء... نعمل على تفضيل الضباط الذين بدأوا الثورة منذ انطلاقها". ويتحدث ضباط معارضون للقذافي منذ ايام عن مسيرة او عمليات دعم للمعارضين في طرابلس.
الا ان اللواء احمد قطراني المكلف ادارة القوات المسلحة في بنغازي استبعد هذه الفكرة. وقال ان "طرابلس محاصرة. نحن على اتصال بالمعارضين هناك، لكنهم يطلبون منا عدم القيام بشيء. ويقولون انهم قادرون" على شن الانتفاضة بانفسهم. ويسعى العسكريون في بنغازي الى تقديم النصح للمحتجين في الغرب في شأن طرق مقاومة قوات القذافي. وفي ضربة اخرى محتملة للقذافي، قال رئيس المؤسسة الوطنية للنفط الليبية شكري غانم إن انتاج النفط الليبي انخفض الى النصف تقريباً نتيجة رحيل العمال الاجانب، وأكد أن المؤسسة لا تزال تشرف على انتاج النفط وتصديره في البلاد. (و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ،ي ب أ)
|