فراس كيلاني
يبدو أن الربيع حل باكراً هنا، اللون الأخضر على اختلاف تدرجاته يمتد على جانبي الطريق الجبلي، لا تقطعه سوى بعض المساحات الصفراء من الأزهار البرية، وباعة العسل الذي يشتهر به الجبل الأخضر شمال شرقي ليبيا.
باستثناء بعض الحواجز الأمنية الصغيرة، لا يوحي هذا الطريق الذي يقود من مدينة البيضاء التي تتخذها الحكومة الموقتة مقراً لتسيير أعمالها إلى مدينة بنغازي بأي شيء غير اعتيادي، فحركة السير في الاتجاهين طبيعية للغاية، ولا يبدو للزائر أن هذه المنطقة من البلاد باتت تشغل الكثير من أروقة الاستخبارات العالمية نظراً إلى التقارير التي تتحدث عن ازدياد نشاط التنظيمات الجهادية فيها.
في منتصف المسافة الممتدة لنحو مئتي كيلومتر بين المدينتين، تقع بلدة المرج التي تحتضن إحدى أهم القواعد العسكرية في البلاد، ويدير منها اللواء خليفة حفتر غرفة العمليات القتالية في بنغازي، ولا يكاد يمر يوم إلا وتعلن قيادة العملية السيطرة على مزيد من الأحياء في عاصمة الشرق الليبي، والتي كان آخرها ميناء المدينة وقاعدة الصاعقة في منطقة بوعطني.
وعلى رغم مرور أشهر على المعركة، إلا أن زيارة بنغازي تؤكد صحة التقارير الواردة من هناك، بل وتعزز القناعة أيضاً بأن ثمة خطة عسكرية محكمة تم العمل من خلالها لهزيمة كتائب «مجلس شورى ثوار بنغازي» الذي أعلن المدينة إمارة إسلامية قبل بضعة أشهر، لكن المؤكد أيضاً أن هذه العملية ليست سوى معركة في خضم حرب قد تشهد فصولاً متعددة في ظل الانقسام السياسي الكبير في البلاد، والذي أتاح تحول أجزاء منها إلى ساحة لنشاط التنظيمات الجهادية، يبرز فيها يوماً بعد يوم تنظيم «الدولة الإسلامية» كلاعب أساسي في المشهد.
يتطلب الوصول إلى اللواء حفتر في قاعدته بالمرج، المرور عبر إجراءات أمنية مشددة للغاية وتفتيش صارم ودقيق، وهو أمر متوقع بعد تعرضه لمحاولات اغتيال عدة، إحداها نفذت بسيارة مفخخة وكادت تودي بحياته.
بكامل أناقته العسكرية وجسده الممشوق (مواليد 1943)، يتحدث الرجل عما تم إنجازه في بنغازي، ويوضح بصوته المنخفض أن الخطة تسير كما كان مقرراً لها، ويبرر تأخر الحسم بسبب التكتيك الذي اتبع في الأشهر الأربعة الأولى على العملية، حيث «تم العمل على سحب كتائب مجلس الشورى للقتال خارج بنغازي»، وتحديداً عند محور قاعدة بنينا الجوية «لتجنب إحداث دمار كبير في المدينة».
يشير حفتر إلى أنه في أكثر من خمس وعشرين مواجهة خارج بنغازي، أوقعت قواته في صفوف «المجلس» خسائر كبيرة جداً، وهو ما أتاح الدخول لاحقاً إلى المدينة «من دون عناء يذكر»، ويقول أن الأعداد القليلة التي تبقت منها «تمترست داخل بعض الأحياء، ولم تعود يجرؤ على المواجهة داخل المناطق المفتوحة»، وأن قواته باتت تواجه حالياً حرب شوارع، يعتمد فيها مقاتلو «شورى بنغازي» على القناصين والأنفاق.
كان اللواء حفتر أطلق ما يعرف بـ «عملية الكرامة» ضد التنظيمات الإسلامية التي تسيطر على البلاد في منتصف أيار (مايو) 2014، واتهم المؤتمر الوطني الليبي (البرلمان) بتغطيتها، ودعا إلى تشكيل مجلس رئاسي مدني يشرف على مرحلة انتقالية وانتخابات تشريعية.
واندلعت على إثرها معارك عنيفة في العاصمة طرابلس وجنوبها، أدت إلى سيطرة ميليشيات إسلامية تنضوي تحت ما بات يعرف بعملية «فجر ليبيا» على المدينة، وطرد ميليشيات الزنتان المتحالفة مع اللواء حفتر من مطار العاصمة الدولي الذي دمر بالكامل.
وزادت نتيجة الانتخابات النيابية التي أجريت في 25 حزيران (يونيو) الطين بلة، حيث أدت إلى خسارة التيارات الإسلامية ومن ضمنها «الإخوان»، إذ لم تحصد جميعها سوى 23 مقعداً من أصل 200، وتوزعت المقاعد المتبقية على التيارات المدنية الليبرالية والفيديراليين والمستقلين.
وأعلن البرلمان الوليد الذي اتخذ من طبرق مقراً له دعم «عملية الكرامة»، فيما رفض رئيس «المؤتمر الوطني العام» نوري بوسهمين نقل سلطات المؤتمر إلى البرلمان الجديد، بدعوى عدم شرعية انعقاده في طبرق، وفي المحصلة باتت البلاد تدار ببرلمانين وحكومتين متنافستين.
يتهم معارضو حفتر الرجل بأنه يقود ثورة مضادة لثورة «السابع عشر من فبراير»، وبأنه يسعى إلى تثبيت نفسه زعيماً جديداً للبلاد، مستشهدين بتاريخه «المليء بالتطلعات السلطوية» على حد تعبيرهم.
لكن الرجل الذي كان إلى جانب القذافي في انقلابه على الملكية عام 1969 قبل أن ينشق عنه لاحقاً مطلع الثمانينات، استطاع حشد الكثير من الدعم والتأييد ليس من بقايا المؤسسة العسكرية الليبية فحسب، وإنما من بعض الكتائب التي تأسست عقب ثورة «السابع عشر من فبراير»، وبدأ العمل على تأسيس نواة جيش احترافي عبر استدعاء الضباط الذين كان تم تسريحهم من الخدمة أيام حكم القذافي.
ولم ينفِ حفتر احتمال سعيه مستقبلاً إلى منصب سياسي بالقول أنه لن يتحرك «إلا وفقاً لما يطلبه الشعب»، مشيداً بتجربة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي «لبى مطالب الشعب عندما طلب منه مواجهة المجموعات الإرهابية التي كانت تتغذى من حكم الإخوان المسلمين» على حد تعبيره.
معركة بنغازي بدأت عملياً في الخامس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 2014، بإعلان حفتر الحملة لتحريرها ممن أسماهم الإرهابيين، ولا يشمل هذا المصطلح أولئك المنضوين تحت لواء تنظيم «أنصار الشريعة» فحسب، إنما أيضاً كتيبة «السابع عشر من فبراير» وكتيبة «راف الله السحاتي» وهما تنظيمان يتبنيان الفكر السلفي الجهادي، إضافة إلى «درع ليبيا 1» الذي يتشكل في معظمه من مقاتلين من مدينة مصراتة، ويُعتقد بارتباطه بتنظيم «الإخوان المسلمين»، وانضوت هذه التنظيمات على اختلاف أجنداتها تحت ما بات يعرف بـ «مجلس شورى ثوار بنغازي».
وفرضت هذه التنظيمات سيطرة واضحة على المدينة مُذ انسحبت منها كتائب القذافي بعد بضعة أيام على بدء الثورة الليبية، ولطالما تجنبت غالبية المؤسسات الدستورية التي ولدت من رحم الثورة انتقادها، لأسباب يبدو أخطرها اليوم أنها كانت تضم ممثلين فاعلين يمثلون مصالح هذه التنظيمات.
يقول اللواء خليفة حفتر أن هذه الكتائب تلقت مساعدات عسكرية كبيرة، طيلة فترة الثورة وبعد انتهائها، وأن «الإمدادات بالسلاح والعتاد والرجال كانت تتدفق عليهم من قطر وتركيا عبر مدينة مصراتة»، ويؤكد أن سياسة قطر تحديداً لم تختلف عقب القمة الخليجية الأخيرة التي اعترفت فيها بشرعية البرلمان والحكومة المنبثقة عنه، وأنها «لا تزال تزود السودان بالسلاح، والسودان يقوم بإيصال السلاح إلى مصراتة، ومنها إلى بنغازي»، قبل أن يضيف أن «غالبية خطوط الإمداد قد تم قطعها، بما فيها البحرية والصحراوية».
لكن حفتر لم ينفِ تلقيه إمدادات عسكرية من دول عربية من دون الإشارة إلى هذه الدول، وأكد أن ما يسعى إليه هو مساعدات عسكرية تتيح له هزيمة من يصفهم بالتكفيريين الذين سيطروا على مساحات كبيرة من البلاد. وقال مصدر ليبي رفض الكشف عن اسمه أن حفتر وصلته بضع طائرات حربية من نوع سوخوي من مصر، إضافة إلى دبابات لم يتضح نوعها من دولة الإمارات العربية المتحدة.
وساهم سلاح الجو على ضعفه في توجيه ضربات كبيرة لقوات مجلس شورى بنغازي، بخاصة خلال المواجهات التي وقعت قرب قاعدة بنينا الجوية خارج المدينة في الأشهر الأولى للعملية، وتسببت إحداها بإصابة زعيم تنظيم أنصار الشريعة محمد الزهاوي إصابة بالغة.
وقال مصدر بارز في الحكومة الليبية أن الزهاوي نقل على الفور إلى مصراتة التي يتحدر منها، ومن هناك تم إرساله إلى تركيا للعلاج، لكن حالته تردت، وتوفي نهاية الشهر الماضي حيث أعيدت جثته إلى مصراتة ليتم دفنها هناك.
وتضاربت الأنباء كثيراً في شأن سير المعارك في بنغازي، خصوصاً مع ترويج وسائل إعلام ليبية وعربية داعمة المؤتمر الوطني و «مجلس الشورى» لفشل «عملية الكرامة» في تحقيق أي تقدم في المدينة، وساهم منع وسائل الإعلام قيادة العملية، في تعزيز صدقية هذه الأنباء. لكن، ثبت لاحقاً أن الكثير من هذه المعلومات يفتقد الدقة، بل إن بعضها مفبرك بالكامل كتلك الرواية المتعلقة بسرقة المصرف المركزي من جانب مقاتلي «الكرامة» عقب سيطرتهم عليه وطرد ميليشيات مجلس الشورى.
وبترتيب مع قيادة «عملية الكرامة»، استطعنا الوصول إلى مصرف بنغازي برفقة محافظ مصرف ليبيا المركزي علي الحبري، وذلك على رغم عدم تأمين محيط المصرف في شكل كامل، حيث لا يزال القناصة ينتشرون مقابل الجهة الخلفية للبناء ذي الواجهة الزجاجية. وأمام الخزنة الرئيسية وقف الحبري لينفي صحة الأنباء بخصوص السرقة، مشيراً إلى أن الخزنة التي كان واضحاً أنها لم تفتح منذ زمن، «تحتاج إلى كمية كبيرة من المتفجرات لاختراقها».
وأتاحت زيارة المصرف الاطلاع على أوضاع الكثير من أحياء المدينة، وبدا لافتاً أن أجزاء كبيرة منها تعيش حياة طبيعية، ولا يبدو أنها كانت ساحة لأية معارك، وتقوم قوات من الشرطة المدنية وشرطة المرور بتسيير أمور السكان وليس قوات عسكرية، مع الإشارة بالطبع إلى النقص الكبير في إمدادات الوقود والغاز والكهرباء والطعام.
لكن الصورة تختلف في الأحياء القليلة التي لا تزال تخضع لسيطرة مجلس الشورى كما في أحياء الصابري والليثي... والتي شهدت قتالاً عنيفاً تسبب في دمار كبير في البنية التحتية، أو تلك التي تقع في مدى قناصتهم كمركز المدينة قرب محيط المصرف المركزي الذي يطل على تفرعات سوق الحوت.
وفي خضم المعارك الدائرة هناك، بات لافتاً حديث مقاتلي «الكرامة» عن خطر الانتحاريين المتزايد في المناطق التي تشهد الاشتباكات، وإشارتهم المتكررة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» كأحد أبرز اللاعبين على الجهة المقابلة عند خطوط المواجهات. ونشر التنظيم عبر وسائل إعلامه على الشبكة العنكبونية صوراً لجنوده يقاتلون في المدينة، وأبرز من بينهم الكثير من الانتحاريين الذين قضوا في بنغازي، وكان لافتاً أن غالبيتهم تتحدر من تونس.
ومن الصعوبة بمكان تحديد أعداد تنظيم الدولة في بنغازي وقدراته، علماً أن تقارير حكومية وصحافية تشير إلى أنه بات موجوداً في أكثر من مدينة ليبية، وأن كتائب عدة قد بايعته أهمها كتيبة «البتار» التي تضم مقاتلين عادوا من سورية.
وأخيراً، أشارت تقارير غربية إلى ازدياد نشاط التنظيم بعيداً من الأنظار في الجنوب الليبي، وهو الأمر الذي استدعى دق ناقوس الخطر في دول إقليمية ودولية عدة، وفي بيان صدر عقب اجتماعهم في نواكشوط نهاية كانون الأول (ديسمبر) الماضي دعا ما يعرف بتجمع دول الساحل الأفريقي وهي تشاد ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو والنيجر إلى تدخل خارجي لوضع حد لهذه التنظيمات، أعقبه تصريح لوزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان أوضح فيه أن «الوقت حان لضمان أن يعالج المجتمع الدولي المشكلة الليبية»، لكن باريس عادت واستبعدت القيام بتدخل عسكري مباشر قريب.
وتخشى الحكومة الليبية الموقتة من أن تتسبب هزيمة كتائب «مجلس الشورى» في دفع الكثير من مقاتليه للانضمام إلى تنظيم الدولة، وعرض التنظيم صوراً لمجموعة ممن كانوا ينتمون ل «أنصار الشريعة» يبايعون زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي في مدينة درنة قبل أسابيع، فيما يبقى حجم التنسيق والارتباط ومستواهما بين التنظيم ومجلس شورى ثوار بنغازي في المواجهات الدائرة في ما تبقى من أحياء بنغازي، غير معروفين.
لكن اللواء خليفة حفتر بدا متفائلاً في حربه ضد التنظيم، وقال أن حسم معركة بنغازي قريباً سيتيح المجال للالتفات إلى بقية المناطق التي يسيطر عليها، وفي ما يتعلق بدرنة أشار إلى أن «الأمر أبسط بكثير مما حصل في بنغازي»، مبرراً ذلك بالتدريب الذي اكتسبته قواته خلال المعارك مع المجموعات «الجهادية»، وللخسائر الفادحة التي تكبدتها هذه المجموعات في بنغازي.
تقع درنة بين مدينتي البيضاء التي تتخذها الحكومة مقراً لتسيير أعمالها وطبرق مقر إقامة البرلمان، وتسيطر عليها مجموعات جهادية من أبرزها «أنصار الشريعة» منذ أعوام، قبل أن يفرض «تنظيم الدولة» نفسه فيها ضيفاً ثقيلاً في الأشهر القليلة الماضية.
عند بوابة مدينة البيضاء الأمنية شرقاً، يتفحص الجنود السيارات الآتية من درنة بقلق وتوجس. وعلى رغم حرصهم، تبدو المهمة أكبر من قدراتهم، ولا يتوقع أن تصمد أسلحتهم الفردية كثيراً إن قرر «الجهاديون» استهداف المدينة.
ويقول محمد حمد مسؤول الحاجز أن «نشاط مقاتلي تنظيم الدولة ازداد أخيراً في المنطقة، وأنهم يحاولون مهاجمة نقاط التفتيش بين الحين والآخر، لكنهم لا يصلون إلى بوابات المدينة، حيث يتم التصدي لهم عند الحواجز الأبعد»، وأنه «إضافة إلى الليبيين، فإن من بينهم مقاتلين من تونس والجزائر واليمن ومالي وغيرها».
وفي شريط مصور، أعلنت نهاية الشهر الماضي ولادة ما يسمى «مجلس شورى ثوار البيضاء»، محدداً أعضاء الحكومة الموقتة كأهداف مشروعة، وهي أهداف سهلة أمنياً، وفق ما تبدى من زيارة سريعة إلى بعض الفنادق التي يقيم فيها وزراء الحكومة، إذ لا يتمتع هؤلاء بأي حماية من أي نوع كانت.
وقال وزير الخارجية في الحكومة الموقتة محمد الدايري في لقاء في أحد هذه الفنادق أنه «في حال لم يتدخل الغرب سريعاً عبر إمداد الجيش الليبي بالسلاح والعتاد اللازم لمواجهة التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمها تنظيم الدولة الإسلامية، فإنه سيجد نفسه مدفوعاً لاحقاً للتدخل في الأزمة الليبية على الطريقة ذاتها التي اضطر فيها للتدخل في كل من سورية والعراق».
وعلى رغم التقدم الكبير الذي تحققه القوات الموالية للحكومة الانتقالية في بنغازي، إلا أن مؤشرات توحي بأن إقامة هذه الحكومة في مدينة البيضاء ستطول، حيث بدأت باتخاذ مبانٍ جديدة للعمل، وهو الأمر الذي يطرح تساؤلات كبيرة، خصوصاً بالنظر إلى التقارير التي تفيد بسوء العلاقة بين اللواء حفتر ورئيس الحكومة الموقتة عبدالله الثني.
وبعيداً من الخطر الجهادي الذي لا يزال محدقاً في الشرق، تبدو معركة الغرب الليبي المرتقبة أصعب بكثير، إذ وفيما لا تزال ميليشيات «فجر ليبيا» وفي مقدمها «الدروع» المتحدرة من مصراتة تطبق على العاصمة طرابلس بتغطية من المؤتمر الوطني العام، بدأ تنظيم الدولة الإسلامية يعلن عن حضوره القوي في المدينة، وربما كان آخر العمليات وأهمها التي تبناها هي تفجير فندق «كورنثيا» في العاصمة نهاية الشهر الماضي، وقبل ذلك اختطاف أكثر من عشرين قبطياً مصرياً ثم قتلهم، إضافة إلى تسييره دوريات «حسبة» لتطبيق الشريعة في بعض أحياء المدينة.
ويتهم أعضاء المؤتمر الوطني وحكومة الإنقاذ المنبثقة عنه برئاسة عمر الحاسي خلايا نائمة مرتبطة باللواء خليفة حفتر بالوقوف وراء التفجيرات والقلاقل الأمنية في طرابلس، وذلك على رغم التبني الصريح لتنظيم الدولة لهذه الأعمال عبر مواقع مرتبطة به على الإنترنت.
ولا ينفي حفتر سعيه إلى استعادة السيطرة على العاصمة، وطرد ما يصفها بالمجموعات التكفيرية، الجهادية السلفية والمرتبطة بتنظيم «الإخوان المسلمين» من المدينة، لكنه أكد حرصه على ضرورة ألا تتسبب المعارك بتدمير المدينة، مستشهداً بتجربة بنغازي التي تم تجنيبها دماراً هائلاً كان يمكن أن تتسبب به المعارك لو لم يتم اللجوء إلى استدراج المجموعات الجهادية للقتال خارج المدينة واستنزافها على حد تعبيره.
ورفض حفتر الكشف عن التكتيك الذي سيتبعه في نقل المعركة إلى هناك، لكنه أشار إلى وجود خلايا نائمة من ضباط وجنود داخل طرابلس، ستبدأ العمل في الوقت المحدد، وذلك بالتزامن مع اقتراب قوات موالية له من غرب العاصمة وشرقها وجنوبها.
وتساند قوات تعرف بجيش القبائل والزنتان جنوب العاصمة، اللواء حفتر. وتحاول قوات «فجر ليبيا» طردها من قاعدة «الوطية» الجوية التي يعتقد أنها تستخدم لضرب مواقع في الغرب الليبي، لكنها ردت مهزومة أكثر من مرة.
وفي خطوة لم تحظ بالكثير من الاهتمام إعلامياً، استطاعت بضع ضربات أشبه بالرسائل، وجهها سلاح الجو التابع للواء خليفة حفتر لبعض المواقع في مدينة مصراتة، التسبب بخلخلة وانقسامات كبيرة في صفوف قيادات المدينة التي تسيطر ميليشياتها على العاصمة طرابلس، ويقول خبراء أنها قد تستأنف لاحقاً إذا ما اتخذ قرار ببدء العمل العسكري في العاصمة، لأنها ستدفع بالكثير من المنخرطين في عملية «فجر ليبيا» من مقاتلي مصراتة، لاحتمال الانسحاب بقواتهم إلى مدينتهم، والتي قد تكون أيضاً عرضة لهجوم بري عبر أكثر من محور، بخاصة من الجنوب حيث معقل قبيلة الورفلة في بني وليد التي تعرضت لانتهاكات كبيرة على يد ميليشيات مصراتة عام 2012، وفق ما تؤكد تقارير دولية.
وفي إطار سعي اللواء حفتر والبرلمان والحكومة الموقتة لاستقطاب أكبر عدد ممكن من مكونات المجتمع الليبي، وافق البرلمان مطلع الشهر الجاري على إسقاط قانون العزل السياسي الذي كان المؤتمر الوطني العام أقره وسط جدل كبير في شأن مشروعيته في 25 كانون الأول 2012. وكما كان متوقعاً، سارع المؤتمر إلى رفض القرار متسلحاً بحكم المحكمة الدستورية في طرابلس الصادر مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 إلى حل البرلمان، وهو القرار الذي رفضه البرلمان مؤكداً أنه تم اتخاذه تحت تهديد السلاح.
وبصرف النظر عن هذا الجدل القانوني، لا يزال المجتمع الدولي وغالبية الدول العربية يعترفان بالبرلمان وحكومة عبدالله الثني المنبثقة عنه كمصدر للشرعية في البلاد. ويدرس البرلمان حالياً استصدار قانون عفو عام عن كل مرحلة حكم معمر القذافي، باستثناء من لم تتلطخ أيديهم بدماء الليبيين وأعراضهم، وهو ما سيكون له الأثر الأكبر في عودة مئات آلاف الليبيين المهجرين إلى البلاد، وإشراك الآلاف منهم في الحياة السياسية، بل وأيضاً إطلاق سراح الكثير من المعتقلين الذين لم تثبت عليهم التهم الموجهة إليهم، وربما كان من بينهم سيف الإسلام القذافي.
وفي خضم هذه المتاهة السياسية والعسكرية، تتواصل جلسات الحوار التي ترعاها الأمم المتحدة عبر مندوبها إلى ليبيا برناردينيو ليون، والتي لا يُتوقع على أهميتها أن تخرج بالكثير، وذلك بالنظر إلى مقاطعتها من جانب المؤتمر الوطني العام، وعدم إشراك اللاعبين الرئيسيين ممثلين بقادة الكتائب العسكرية الفاعلة على الأرض، وفشل وقف إطلاق النار الذي كانت الأطراف أعلنت الالتزام به منتصف الشهر الماضي.
يبقى الحل في ليبيا منوطاً بالكثير من المعطيات التي لم تعد في جزء كبير منها ليبية بحتة، فدخول أطراف إقليمية متصارعة على المشهد، وتوسع نشاط التنظيمات الجهادية، وتعدد رؤى الحل بين حسم عسكري تدعمه أطراف عربية، وحوار يدمج تيارات الإسلام السياسي المعتدلة في أي حكومة مقبلة تدعمه جهات غربية، كل ذلك سيُبقي المتاهة الليبية مفتوحة على المجهول، فهل يستطيع الجنرال الذي يترقب ربيع بلاده من مقره في الجبل الأخضر اجتراح المعجزات؟
الأكيد أن الأزمة تدخل عامها الخامس وما فتئت تزداد تعقيداً.
* صحافي في الخدمة العالمية لـ «بي بي سي»