السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٥, ٢٠١٦
المصدر : جريدة النهار اللبنانية
السعودية
ملفّات كبيرة حسّاسة في مهبّ التوتر السعودي - الإيراني وواشنطن تخشى على الجهود لسوريا
موناليزا فريحة
كثيرة هي التبعات المحتملة للأزمة المستفحلة بين السعودية وايران. بعد احراق سفارات وسحب سفراء واطلاق نار على دورية للشرطة في المنطقة الشرقية، وتفجير مسجدين للسنة في العراق، ثمة ملفات كبيرة مرتبطة بالخصمين الاقليميين اللدودين ويمكن أن تتشظى أيضاً، من حروب الواسطة الدائرة بين الجانبين في أكثر من بلد الى محادثات السلام لسوريا، ومن الحرب على تنظيم "الدولة الاسلامية" في سوريا والعراق الى المحادثات من أجل تحقيق استقرار اسعار النفط، وصولاً أخيراً وليس آخراً الى الاستحقاق الرئاسي في لبنان.

العلاقات الديبلوماسية بين الرياض وطهران متوترة منذ الثورة الاسلامية، وإن تكن شهدت دفئاً في بعض الاحيان بين الخصمين اللدودين، لكن الأزمة الاخيرة التي نشبت على خلفية اعدام المملكة الشيخ الشيعي نمر باقر النمر، تتفاعل بسرعة وتنذر بعواقب للمنطقة.

قبل الثورة الاسلامية بكثير وتحديدا منذ 1929، تاريخ اقامة علاقات بين الجانبين، كانت الاتصالات بين النظامين الملكيين رسمية، إلا أن أزمة سياسية أولى ظهرت نهاية عام 1943، عندما اعتقلت الشرطة السعودية أحد الحجاج الإيرانيين داخل الحرم المكي بتهمة "القاء القاذورات على الكعبة وسبّ الرسول والصحابة"، ثم أعدمته. وعندما اعترفت طهران عام 1950 بإسرائيل ساد توتر علاقاتها مع الرياض. ومع ذلك استمرت العلاقات تتأرجح بين الود والانفتاح والتعاون، حتى الثورة الاسلامية عام 1979.

وفي نيسان 1988، قطع الملك فهد بن عبد العزيز العلاقات الديبلوماسية مع طهران، بعد توتر على خلفية مقتل 402 من الحجاج، بينهم 275 إيرانياً، في اشتباكات بمدينة مكة.

ففي حينه، احتل محتجون السفارة السعودية في طهران وأضرموا النار في السفارة الكويتية. وتوفى الديبلوماسي السعودي مساعد الغامدي متأثراً بجروح أصيب بها عندما سقط من نافذة في السفارة، واتهمت الرياض طهران بالتأخر في نقله إلى مستشفى في السعودية. وأعيدت العلاقات عام 1991.

ومع انتخاب الرئيس الاصلاحي محمد خاتمي عام 1997، تراجع التوتر بين البلدين وتحسنت العلاقات أكثر بعد زيارتي ولي العهد السعودي في حينه الامير عبدالله بن عبد العزيز لطهران في كانون الاول 1997 وخاتمي للمملكة في أيار 1999.

بيد أن القلق السعودي من ايران تجدد مع انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد الذي اعتمد خطاباً معادياً للرياض والغرب وأعاد تنشيط الطموحات النووية للجمهورية الاسلامية.

وعندما نشبت الحرب في سوريا، دعمت طهران بقوة النظام السوري، بينما وقفت الرياض في صف المعارضة. وحصل الاصطفاف نفسه في اليمن. وأرسلت السعودية قوات لمساعدة السلطات في البحرين، واتهم البلدان طهران لاحقاً بالتسبب بمفاقمة العنف ضد الشرطة البحرينية.

وزادت مخاوف الرياض من تحركات طهران في المنطقة مع توصلها الى اتفاق نووي مع الغرب يرفع عنها العقوبات الدولية.
وكارثة الحج العام الماضي أثارت توتراً كبيراً بين الدولتين، إذ ألقت طهران على "العجز" السعودي تبعة مقتل نحو 464 ايرانيا، بناء على تعداد السلطات الايرانية.

وشكل أخيراً اعدام النمر الصاعق الذي فجر توتراً متراكماً على خط الرياض - طهران اللتين جلستا معاً أواخر العام الماضي الى طاولة المحادثات الرامية الى ايجاد حل سياسي للنزاع السوري.

محادثات جنيف
وقبل أيام من موعد الجلسة التالية للمحادثات السورية المتوقعة نهاية كانون الثاني الجاري، يفترض أن يعقد المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الى سوريا ستيفان دو ميستورا لقاءات في الرياض لتمهيد الطريق لمحادثات الجلسة.
الا أن مسؤولين غربيين أبدوا قلقاً من امكان انعكاس الخلاف السعودي - الايراني على الأجواء وتقويض النقاشات قبل أن تنطلق.

ونسبت مجلة "فورين بوليسي" الى مسؤول كبير في الادارة الاميركية أن النبرة الحامية بين الرياض وطهران تمثل عائقاً آخر أمام الديبلوماسية في شأن سوريا. وقال: "التوتر الذي تسببت به الاعدامات لا تساعد في محاولة تجاوز بعض من التوترات الطائفية المتعلقة بسوريا"، الا أنه أضاف: "أعتقد أن الجميع لا يزالون يحاولون المضي قدماً".

كذلك أبلغ ديبلوماسي مقره في نيويورك المجلة أن "الاجواء لا يمكن أن تكون جيدة... أعتقد أن الكثير يعتمد على ما اذا كانت واشنطن وموسكو تريدان انقاذ العملية وقت نسعى الى ابقائها على قيد الحياة".

ويُخشى تحديداً أن تتخذ المعارضة السورية المقربة من الرياض مواقف أكثر حدة حيال ايران وروسيا اللتين تدعمان النظام السوري، وألا تبدي أي استعداد للتسوية في شأن تركيبة وفد المعارضة الى جنيف، خصوصاً أن موسكو تضغط لمنع بعض الجماعات من المشاركة في المحادثات، واصفة أعضاءها بأنهم "ارهابيون".

الحرب على "داعش"
وأمس أبدت روسيا استعدادها للقيام بـ"وساطة" لحل الازمة بين السعودية وايران"، فيما سارعت دول عدة الى التحذير من تصاعد التوتر، ودعت باريس وبرلين الى لجمه.
وكانت واشنطن طالبت الاحد زعماء دول الشرق الاوسط بالقيام بـ"خطوات لتهدئة التوترات". وتخشى الادارة الاميركية خصوصاً أن ينعكس التوتر سلباً لا على الجهود لحل الأزمة السورية فحسب، وإنما ايضاً على الحملة الدولية للقضاء على "داعش".

وفي موقف لافت، حمّل مسؤول أميركي واحد على الأقل الرياض مسؤولية تفاقم التوتر باعدام النمر. ونسبت "الواشنطن بوست" الى هذا المسؤول قوله: "انها لعبة خطيرة يلعبها السعوديون... ثمة تبعات أوسع من ردود الفعل على هذه الاعدامات".
وأثار موقف المسؤول الاميركي رداً غاضباً من مسؤول سعودي قال للصحيفة نفسها إن "طهران أظهرت ازدراءها للغرب مراراً وتكراراً، مواصلة رعاية الارهاب واطلاق صواريخ باليستية ولا أحد يفعل شيئا ازاء هذا الامر".

حروب الواسطة
والى التبعات السياسية للتوتر السعودي - الايراني، ثمة سؤال أساسي عن المدى الذي ستذهب اليه حروب الواسطة بين الجانبين في سوريا والعراق واليمن والبحرين ولبنان. فالغضب الذي أثاره اعدام النمر لدى الشيعة في ايران والعراق وبلدان اخرى يأخذ منحى تصعيدياً.
ويذهب المحلل العسكري في شبكة "سي أن أن" الاميركية للتلفزيون الجنرال المتقاعد مارك هرتلينغ الى التحذير من امكان حصول مواجهة مباشرة بين السعودية وايران، قائلاً: "الوضع يتفاقم بسرعة".

اقتصاد
والى السياسة والعسكر، يبدو الاقتصاد إحدى الضحايا الرئيسية للتوتر.
باحثون في الشؤون الايرانية الى أن قطعاً محتملاً للعلاقات بين كل دول مجلس التعاون الخليجي وإيران يعني أزمة اقتصادية تمس بالجانبين، لأن حجم التبادل التجاري بين الإمارات وإيران مثلا يصل إلى 20 مليار دولار على الأقل، وتطور كهذا قد يدخل المنطقة في أزمة اقتصادية طاحنة.
ويذكر أن الامارات خفضت مستوى تمثيلها الديبلوماسي في طهران.
ولا شك في أن أسواق النفط ستتأثر أيضاً. فقد قفزت أسعار النفط بنسبة أكثر من اثنين في المئة في أولى ساعات التعامل سنة 2016.
وحده الاتفاق النووي الايراني الموقع بين طهران والغرب لا يزال بعيداً، أقله حتى الآن، من التبعات المحتملة للتوتر. وقالت برلين إن ليس ثمة دليل على أن إيران تعتزم الخروج من الاتفاق، وقد تفي بكل تعهداتها هذا الشهر.


 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
التقرير الأميركي حول اغتيال خاشقجي يتّهم بن سلمان... والسعودية تردّ: تقييم زائف
السعودية أطلقت الناشطة لجين الهذلول
زيارة غير مسبوقة و"محادثات سرية" بين نتنياهو وبن سلمان في نيوم... إنهاء حالة العداء؟
خبيرة أمميّة تندّد بالأحكام الصادرة في قضيّة خاشقجي
العاهل السعودي يقيل اثنين من الأسرة الحاكمة في تهم فساد بوزارة الدفاع
مقالات ذات صلة
السعوديّة الجديدة: تقوية الوطنيّة وتقييد محدود للإسلام المُتشدّد؟ - سركيس نعوم
السعودية بين الـ2017 - 2018 والـ2019 - سركيس نعوم
أسوأ المجالس البلدية - علي القاسمي
الجزيرة العربية في المصادر الكلاسيكية - حاتم الطحاوي
مناقشة في المقال الأخير لجمال الخاشقجي - جهاد الزين
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة