التأمت جلسة هيئة الحوار الوطني اللبناني أمس، على وقع مسألة الميثاقية، التي كان اثارها «التيار الوطني الحر» قبل الجلسة الأخيرة للحكومة اللبنانية، وقرر بعدها مقاطعة بقية الجلسات ما تسبب بأزمة حكومية، لتنسحب هذه المرة على جلسة الحوار، التي ما كادت تبدأ حتى اشتعلت سجالاً، بين رئيس «تيار المردة» النائب سليمان فرنجية، ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل على خلفية اصرار الأخير على طرح الميثاقية والتمثيل المسيحي، لتشتد قبل رفع الجلسة التي انتهت بتعليق الجلسات الى اجل غير مسمى، بعدما ابلغ باسيل، رئيس المجلس النيابي نبيه بري، والحضور «اننا كتيار وطني حر سنعلق مشاركتنا في جلسات الحوار لأن هناك مواصلة واستمراراً للانتقاص من حقوق المسيحيين ومن الميثاقية في تمثيلهم. فالجلسات لا جدوى من استمرارها طالما ان الشراكة الصحيحة غير محترمة لا في الحكومة ولا في الرئاسة ولا في قانون الانتخاب». فرد عليه بري قائلاً: «مش انت يلي بتمرّك عليي بتعليق الحوار، انا بعلقو. اذا التيار راح يقاطع ويعلق المشاركة، انا راح علق كل جلسات الحوار»، وأعلن بري انتهاء الجلسة ولم يحدد موعداً جديداً لها. وفيما ذكرت مصادر المجتمعين لـ «الحياة» ان الجلسة الحادية والعشرين هي من افشل جلسات الحوار، وأن موقف التيار من مقاطعة الجلسات المقبلة كان اتخذ مسبقاً وأن مشاركته في هذه الجلسة هو للإعلان عنه رسمياً، بدليل أن باسيل كان يقرأ ورقة مكتوبة أمام المتحاورين تتضمن أسباب المقاطعة. لكن ابلغ وصف للنقاشات التي طبعت جلسة الحوار امس كان على لسان الوزير رشيد درباس الذي يشارك الى جانب رئيس الحكومة تمام سلام، وكان اول المغادرين قبل انتهائها، الذي قال: «ان اجواء الجلسة، عجائبية، لا إيجابية».
وبعد هذه الجلسة المشحونة والمواقف المتباينة تتوجه الأنظار الى مصير جلسة مجلس الوزراء المقررة بعد غد الخميس، حيث توقع فرنجية أن تشهد المرحلة المقبلة «جدالاً واسعاً».
وكان بري استبق جلسة الحوار التي غاب عنها رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» النيابي ميشال عون، الذي مثله باسيل، فيما مثل رئيس «اللقاء الديموقراطي» النيابي وليد جنبلاط، النائب غازي العريضي، بالتمني على النواب بعد التشاور مع نائب رئيس المجلس فريد مكاري وأعضاء هيئة مكتب المجلس التبرع بنصف مخصصاتهم وتعويضاتهم لشهر تشرين الأول (اكتوبر) لمصلحة الجيش اللبناني.
< قال باسيل: «هناك استخفاف بالميثاقية وبحقوق المسيحيين التي تتآكل يوماً بعد يوم، فإما أن نأخذ حــقوقنا ويتم الالتزام بالميثاقية وإلا فالميثاقية كذب وتتحدثون عنها ولا تطبقونها وبالتالي الاعتراف بالآخر كذب. فنحن نشعر بالغبن والتهميش وما نواجهه نتيجة إهمال حقوقنا في الشراكة يجعل قضيتنا قضية وجودية. وإذا استمرت الأمور هكذا لا لزوم لأن نستمر معاً...».
وتابع باسيل: «في كل مرة نطرح فيها المثاقية ونطالب بحقوقنا نواجه بالتأجيل تلو الآخر وهذا يدل على الاستخفاف بوجودنا ونحن نمثل أكبر كتلة نيابية مسيحية ولدينا الحضور الأكبر في الشارع وتغييبنا لم يعد مقبولاً ولا لزوم لحضور مجلس الوزراء أو البقاء مع بعضنا بعضاً طالما ان هناك من لا يريد الشراكة ولا يطبقها أو يعترف فيها».
ورد فرنجية على باسيل قائلاً: «مع احترامي لما تمثله ونحن كنا أول من وقف الى جانب العماد ميشال عون عندما طالب بحقوق المسيحيين ونحن مع هذه الحقوق وليست محصورة لا بالتيار الوطني الحر ولا بحزبي القوات والكتائب، ومن غير الجائز في كل مرة يكون فيه هناك تسويات نخسر ونفوت بالحائظ والآن ماذا تريدون سوى انكم تريدون منا أن نصطدم بالحائط لأن لا أفق لديكم»؟
وسأل فرنجية: «أستغرب حديث البعض عن ان المسيحيين من غير التيار الوطني الذين يشاركون في الحكومة يمثلون 6 في المئة من المسيحيين، وأنت يا جبران مع احترامي الكبير لك ترشحت أكثر من مرة للانتخابات النيابية ولم تنجح فأي تمثيل للمسيحيين تتحدث عنه؟».
«أنت مدير عام التيار»
وتابع فرنجية موجهاً كلامه الى باسيل: «انت المدير العام للتيار الوطني الحر ولست رئيسه لأن عمك العماد ميشال عون هو من عينك في هذا المنصب ولم تتجرأ على اجراء انتخابات داخل التيار مع احترامي لك، والجميع يعرف حجم المعارضة في التيار وإلا لماذا صدرت كل تدابير الطرد بحق عدد لا بأس به من أبرز الناشطين في التيار؟». ورد باسيل سائلاً فرنجية: «بعد كل هذا الحكي تعود وتقول مع احترامي لك؟».
وأضاف فرنجية: «صحيح اقول هذا الكلام مع احترامي لك، وفي كل مرة تأخذوننا الى مكان وعندما لا نقف الى جانبكم نفاجأ بكم تتحدثون عن الميثاقية، أنتم تريدون فرض رأيكم على الآخرين ويمنع علينا الاعتراض وموقفكم من قيادة الجيش دليل واضح الى ان لرفضكم علاقة بفرض مرشحكم لهذا المنصب، لذلك عليكم الكف عن سياسة الاستئثار والاحتكار».
ولفت فرنجية الى «اننا كنا وقفنا الى جانب ترشح العماد عون لرئاسة الجمهورية وأكدنا دعمنا له بلا شروط لكن قلنا لاحقاً أنه إذا قوبل بمعارضة، عليه أن يخلي الساحة لغيره، فهل من خطأ ارتكبته عندما أعلنت ترشحي للرئاسة؟».
وتدخل حردان مشيراً الى ان الحكومة «تتشكل على قواعد ميثاقية تتبع القواعد الدستورية، ولا تأتي كل هذه القواعد على قياس فريق من دون الآخر».
وعلق بري مبتسماً: «ما قلنا لك لا تحكي بالطول...».
وعاد فرنجية الى القول: «هذا لا يناسبك يا جبران»، فرد الأخير: «طبعاً مع كل احترامي وتقديري».
وقالت مصادر المتحاورين ان باسيل في مداخلته التي كانت الأولى في الجلسة، وفي ردوده على أجوبة عدد من الحاضرين لاحقاً شدد على ان ما يطرحه حول الإخلال بالميثاقية يتجاهله الآخرون ولا يقدمون الأجوبة المطلوبة رداً على الأسئلة التي يطرحها، وكرر مرات عدة عبارة بأن ما يطرحه في شأن الميثاقية هو قضية وجودية بالنسبة الى فريقه وإلى المسيحيين، لكن مصادر المتحاورين قالت إن الرد الذي أدلى به النائب سليمان فرنجية حوّل الجلسة الى سجال ماروني - ماروني، وأن رئيس «المردة» خطف الأضواء. وأكدت مصادر المتحاورين لـ «الحياة» ان باسيل لم يرد على أي من الحجج التي طرحها فرنجية وبقي صامتاً طوال فترة كلامه.
السنيورة وميقاتي وحرب
وقالت ان الرئيس السنيورة علّق على كلام رئيس «التيار الحر» بالقول إنه لم يعد هناك شيء اسمه الميثاق لأن كل مضمونه بات في صلب الدستور، أي الرئاسة وكيفية انتخابها والمناصفة والإنماء المناطقي المتوازن وانتخاب مجلس النواب في شكل يمثل جميع الطوائف. ولم يبق شيئاً خارج هذا الدستور. وأوضح ان الميثاق أكد المناصفة بهدف عدم تفرد أي طائفة بالحكم وبالقرارات. ومن غير الجائز ان يقول فريق في طائفة أنه يمثل 94 في المئة وإذا لم توافقوا معي فأنتم غير ميثاقيين، فلنطبق الدستور.
وقال الوزير حرب: «ان ما نسمعه عن لسان شخص ما هو إلا إثارة للغرائز الطائفية ويضع البلد في حال خطر، كنا دفعنا في السابق ثمن المواجهات الطائفية العنفية ولا يجوز بعد كل هذا الثمن أن نكرر الخطأ».
وتطرق الى ما يثار حول الميثاقية وقال ان كل واحد يفسر الميثاقية على ذوقه ومصالحه الخاصة وكأننا لسنا في دولة وغياب فريق سياسي عن مجلس الوزراء لا يعني ان الميثاقية مفقودة.
وأضاف أن الميثاقية وضعت لمنع طائفة في غياب ممثلي طائفة اخرى من الاستفراد أو الاستئثار وغياب البعض عن الجــلسة لا يفقدها الميثاقية وهناك حكومات شكلت من تكنوقراط أو وزراء لا يتعاطون في السياسة، وهؤلاء بمجرد حصولهم على ثقة المجلس النيابي لا يعود من الجائز لفريق أن يتباهى على الآخر ويقول إنه أكثر تمثيلاً منه.
وتابع حرب ان «من يلجأ الى استخدام الميثاقية من منظوره الشخصي ومن حين الى آخر، لا يريد سوى تأمين مصالحه الشخصية والحزبية وهو يستعمل الطائفية ليهدد بها الآخرين وابتزازهم خدمة لمصالحه وهذا أمر لا نخضع له ولا يهول علينا أحد. أما بالنسبة الى تمثيل المسيحيين، فأنا أقول من موقعي إني أمثل أكثر من غيري وأحظى بثقة المواطنين ولست في وارد الرد على الذين يدعون احتكارهم للتمثيل المسيحي».
وعلّق رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي على باسيل، قائلاً: «أزعجني في كلامه عبارة بدكن يانا أو ما بدكن». وقال: «يوم توقيع الميثاق الوطني عام 1943 قلنا لا للشرق ولا للغرب، وعام 1989 وفي اتفاق الطائف أكدنا العيش المشترك وجاء عن قناعة كرد فعل على استمرار الحكومة التي رأسها الرئيس ميشال عون على رغم انسحاب الوزراء المسلمين منها».
وتوجه إلى باسيل بالقول: «تخلطون بين المواثيق والدستور ولا يجوز أن يتحوّل العيش المشترك لتوزيع مغانم بين الطوائف والمذاهب أو التيارات لأنه أمر مقدس». وكرر ما قاله السنيورة من خلال دعوته إلى التحدث عن «الدستور وتطبيقه وتفصيلاته ولنترك جانباً موضوع الميثاق لأنه خارج أي بحث وأن المناصفة أمر ثابت بين المسيحيين والمسلمين ولا تراجع عنه مهما كانت الأسباب بينما أنتم تحولونه عملية حسابية».
وبعد مداخلات عدد من المشاركين كرر باسيل القول: اننا لا نحصل على الأجوبة عن القضايا التي نطرحها في شأن التهميش في الرئاسة وقانون الانتخاب والحكومة... ولذلك أنا اعتذر عن عدم المشاركة في الحوار وأفضل الانسحاب». وقام عن مقعده. وهنا قال له بري: «لا. أنا لن أتركك أنت تفعلها، في هذه الحال أنا أعلق الحوار على رغم أني قادر على أن أتابع الجلسة، لكن مع ذلك فأنا لا أدعك تسجل نقطة علي. فأنا أكثر حرصاً على ألا يغيب مكون من المكونات». وإذا الأمور هكذا أنا أخرج».
وقال بري: تعليقاً على مداخلة باسيل: «هذا أخطر كلام سمعته منذ انتهاء الحرب في لبنان وأخشى أن يفضي ما أسمعه الآن الى حرب أهلية في بلد اعتبره الأقوى لأنه انتصر على اسرائيل وحرر أرضه ومنع الإرهاب وتصدى له بفضل دور الأجهزة الأمنية وأولها الجيش فهذا الإرهاب لم يلق أي احتضان لأن الاعتدال يبقى الأقوى والسلاح الأمضى لمنع الفتنة والتصدي لمن يحاول العودة بنا الى الوراء. فلماذا التفريط ببلدنا ولمصلحة من؟».
وعندما همّ بري بالوقوف، وكذلك باسيل، تدخل النائب غازي العريضي داعياً باسيل الى الجلوس ومطالباً بري بالاستماع اليه فقال: «كل واحد منا جاء الى طاولة الحوار لأنه وجد ضرورة لأن نسعى الى التفاهم وللأسف خلافاتنا كبيرة بحيث أن أي شيء صغير نتوصل الى اتفاق حوله يعتبر انجازاً. لكن ما البديل عن الحوار؟ البلد لا يحمل إنهاء الحوار. ويا دولة الرئيس أنت تكلمت عن الدلع السياسي والذي يقرأ ما يجري في محيطنا وإقليمياً ودولياً يستنتج أن لا أحد من الدول على باله لا هلع ولا ولع ولا دلع عند اللبنانيين. نحن محكومون بأن نتحاور. وأصلاً نأتي اليه لأننا على خلاف. وليس لننسفه إذا اختلفنا على الطاولة».
وقال لباسيل: «تتكلمون عن الغبن والتهميش منذ 1990. الحياة السياسية لم تبدأ في ذلك التاريخ ولا المظلومية بدأت في حينها. والبلد له تاريخ طويل. ونحن حين ذهبنا الى المعارضة قبلكم قدمنا شهداء وتعرضنا للقمع. كل انسان هناك قادر أن يقول أنا أخرج من الحوار وأعطل لكن الامتياز هو أن نجد مخارج للأزمة. وهناك من تفهم صرختكم النائب فرنحية ألم يقل ان مطالبكم محقة وأنه معها لكنه يختلف معكم بالأسلوب؟» فرد باسيل بالإيجاب.
ثم قال بري: «سنعلق الحوار».
ورد باسيل بالقول: «اشكر من تفهم مطالبنا. وفي الخارج ماذا تريدون أن أقول أننا نعلق مشاركتنا في الحوار؟ (بدل الانسحاب) وسأقولها».
وقالت مصادر المتحاورين لـ «الحياة» إن النائب محمد رعد قال: «استمعنا الآن الى صرخة وألم يعبران عن شريحة كبيرة من اللبنانيين ومكون أساسي. لا يمكن تجاهل ما يقوله. ونحن أمام أزمة كبيرة. ودعونا نؤجل الاجتماعات لنتشاور ونجري اتصالات في هذا الشأن. ولعلّ تأجيل اجتماع مجلس الوزراء في هذه الحالة هو الأنسب».
وكان سبقه الى ذلك اقتراح الوزير ميشال فرعون تأجيل جلسة مجلس الوزراء المقررة بعد غد الخميس، خصوصاً أن «حزب الله» كان أعلن أنه لن يشارك في اتخاذ القرارات داخل الحكومة بغياب «التيار الحر» والكتائب. وأرفضّت الجلسة على هذا الأساس.
الكتائب: الميثاقية بانتخاب الرئيس
ومساء، اعتبر المكتب السياسي لحزب «الكتائب» أن «مفتاح الميثاقية هو بانتخاب رئيس والأجدى بالحريص عليها أن يكون حريصاً على تأمين النصاب في المجلس النيابي وانتخاب الرئيس فوراً».
|