الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٥, ٢٠١٧
المصدر : جريدة الحياة
مصر
سباق على تمثيل الفقراء في مصر!
القاهرة - أمينة خيري 
يدللونهم حيناً، ويعشمونهم حيناً، ويتقربون إليهم طمعاً في التعضيد وأملاً بالتمديد أحياناً، ويعرفون في قرارة أنفسهم أنهم سيبقون العلة والدواء، والصداع وراحة البال، وسبب البقاء وعامل الاستقرار، وفي أقوال أخرى مفجر الفوضى ومدعاة الاضطراب. إنهم الشريحة الأكبر عدداً، والأعمق أثراً، والأكثر تحمّلاً وإن ظلت الأقل ظهوراً والأحكم فكراً والأوفر ابتكاراً.

الفقراء الذين يتزاحم كثيرون على أبوابهم، بين مطالبين بالانضمام إلى شريحتهم، ومنددين ببكائياتهم المستمرة، ومحلمين إياهم مغبات الأوضاع الحالية، ومتعلقين بتلابيب العودة إلى السلطة سيراً على أجسادهم، ومغازلين إياهم أملاً بإعادة انتخابهم في الدوائر، وداقين على أوتار معيشتهم عشماً في الاحتفاظ بأضوائهم الفضائية، ومحاولين تخفيف العبء عنهم بمحاولات فردية بعضها يصيب وبعضها يخيب وجزء ثالث منها يؤدي إلى النقيض.

النقيض الذي ذكره الفنان يحيى الفخراني لما جرى العرف عليه، وتداولته الملايين على مر الأزمنة والعصور، واستخدمه السياسيون ورقة انتخابية رابحة، ودق على أوتاره الثوريون ضمن عوامل الحشد والدعم الفائرة، وافتأت عليه الإسلاميون منذ سبعينات القرن العشرين، يدور في خواطر كثيرين لكن يخجلون من المجاهرة به خوفاً من أن تصيبهم شظايا تهمة «ازدراء الفقراء». فقبل أيام قال الفخراني في لقاء في جامعة الإسكندرية إن الفقراء الحقيقيين لم يشتكوا من زيادة الأسعار، وأن المشتكين هم الفئة الطموحة التي تود أن ترفع دخلها. وتحولت كلماته التي تعبر عن رأيه وآراء آخرين لا يجرأون على المجاهرة بها إلى نيران عنكبوتية ملتهبة وأدوات طعن واتهام وتشكيك مستعرة.

استعار الأسعار بعد تحرير الصرف، وضعف يد الدولة في الرقابة على الأسواق، والتلويح بين الحين والآخر بمزيد من الإجراءات المؤلمة والمذهلة التي ضربت كل الشرائح الاقتصادية بدرجات متفاوتة تعبر عن نفسها بزيادة ملحوظة في أعداد اللافتات الإعلانية/التوعوية/التسكينية الضخمة المعلقة على أعلى الجسور وفي الطرق الرئيسة، لا سيما تلك التي يقول نصها «نضحي بلقمتنا ونصون كرامتنا». هذه الأجواء الملتبسة والمرتبكة تحرك مياه التداخلات الشعبية الراكدة والاتهامات الطبقية المتبادلة والساكنة منذ شهور.

فسائق الأجرة الذي يرفض تشغيل العداد لأنه يرى أن التسعيرة القانونية لن تسنده مادياً، وتاجر الخضروات الذي اعتبر الـ 12 جنيهاً سعر كيلو البصل سعراً معقولاً بديلاً لثلاثة أو أربعة جينهات يستحقها، والرجل الذي نصب نفسه «سايس» (لإيقاف السيارات في الشارع) ارتأى ألا يسمح للسيارات بالوقوف إلا بعد تسديد 20 جنيهاً «لأن الدنيا غلاء»، وغيرهم من أصحاب المهن غير محددة الدخل وربما الهامشية، وإن كانوا من سكان قاعدة الهرم الاقتصادي، لكنهم يتمتعون بأياد حرة طليقة تمتد في جيوب جيرانهم من سكان منتصف الهرم من أصحاب الدخول المحدودة، وإن كانت مرتفعة، لتتقاضى أضعاف ما يستحقونه تحت شعار «الدنيا غلاء».

غلاء الدنيا على الجميع بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة تؤكده أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. رئيس الجهاز اللواء أبوبكر الجندي يقول إن تعويم سعر الصرف انعكس مباشرة على زيادة الأسعار وارتفاع التضخم ليصل إلى خمسة في المئة على أساس شهري، و20.2 في المئة على أساس سنوي، وأن الفقر طاول نحو 28 في المئة من المصريين. وهذا يعني أن نحو 26 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر، أي أن دخلهم اليومي عشرة جنيهات وهو ما يعادل نصف دولار بالسعر الجديد.

الجديد في الأمر هو أن الصراع على التصنيف ضمن الفقراء أصبح ضارياً. فالطبقة المتوسطة (سابقاً) والتي تسير بسرعة البرق نحو القاعدة الدنيا حالياً لم تعد تتحرج أو تتمنع عن طلب الانتساب إلى الفقراء، علّها تحصل على جانب من مميزاتهم، بين بطاقة تموين ومعاشات «تكافل وكرامة» ورُفِع الحرج عن الوقوف في طوابير المجمعات الاستهلاكية وعربات السلع المخفضة.

وخفض الفقراء سقف توقعاتهم على مدار السنوات الست الماضية، والتي استهلتها ثورة كانون الثاني (يناير) 2011 مؤكدة أنها جاءت من أجل حقوقهم، فإذ بها تتحول تيارات إسلام سياسي تتناحر على السلطة، ومجموعات ثورية لا يعجبها العجب، وجماعات مصالح تتأرجح بين فلول عائدين ورجال أعمال متصلبين ووجوه جديدة تحاول إيجاد مساحة لها على الساحة.

الساحة التلفزيونية تقدم نفسها باعتبارها صوت الفقراء، وهي في إطار تقديمها هذا تلعب بـ «البيضة والحجر» حيث مغازلة جموع الكادحين بالصياح لآلامهم والصراخ لأوجاعهم، وفي الوقت نفسه تبقى هذه الأصوات منصاعة لملاّك القنوات وإملاءات السلطات التي يقف الكثير منها على طرف النقيض من الفقراء. كما يجد الفقراء أنفسهم أرضاً خصبة لجهود من خسروا في مباراة السلطة ويحاولون استعادة الحكم واسترداد الأرض. ومع قرب الذكرى السادسة للثورة التي أتت بهؤلاء تندلع حرب عنكبوتية شعواء تهدف إلى معاودة النصب على الفقراء مجدداً باسم الدين وتطبيق شرع الله، عبر عودة الرئيس السابق محمد مرسي والجماعة إلى الحكم باعتبارها الملاذ.

جهود استقطابية من نوع آخر تمارسها بقايا «فلولية» وجزيئات من العصور الماضية تدق على وتر «ألم يكن عصر (الرئيس السابق حسني) مبارك أفضل؟»، فيما نوع ثالث مازال يدق على أوتار الثورية بكلمات الإسقاط والرحيل والتغيير من أجل الفقراء التي لا تفارق الألسنة.

لسان حال الفقراء يبدو ضبابياً خاملاً مبهماً في ظل كل هذا الحراك والتحريك والاستحراك باسمهم. منهم من ينمي دخله بما تيسر له من إمكانات، ومنهم من زاد تقشفاً على تقشف أملاً بخلاص طال، ومنهم أيضاً من يرصد ويتابع ويحلل ويفسر ويحكم وفق رؤيته الخاصة وخبرته الشخصية بين من سرقه، ومن نصب عليه، ومن خدّره، ومن يرقص على جثته، ومن يتاجر به، ومن يتحدث باسمه من دون سابق معرفة، ومن يحاول مد يد العون له في زمن صعب.



 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة