|
القاهرة – من جمال فهمي
وسط عاصفة من الانتقادات القاسية التي هبت على نظام الرئيس المصري حسني مبارك من داخل البلاد وخارجها، ابرزها تعبير البيت الابيض عن "خيبة الامل" من الطريقة التي اجريت بها الانتخابات النيابية في مصر، وفي ظل الاجواء وارتباك واضحين، اعلنت اللجنة العليا للانتخابات في ساعة متقدمة امس نتائج الدورة الاولى من عملية الاقتراع التي اجريت الاحد الماضي لاختيار 508 نواب من 5093 مرشحا خاضوا المنافسة الانتخابية الاولى للفوز بمقاعد مجلس الشعب في ظل غياب نظام الاشراف القضائي القديم وفقا لقاعدة "قاض لكل صندوق".
وامضى الصحافيون ومندوبو وسائل الاعلام المحلية والاجنبية كل ساعات النهار والمساء امس في انتظار ان تبلغهم اللجنة موعدا محددا للمؤتمر الصحافي الذي كان مقررا ان يعقده رئيسها المستشار السيد عبد العزيز عمر. وبعد غموض طال وتأجيلات متتابعة من موعد الى آخر، احتشد الصحافيون مساء في القاعة المخصصة لاعلان النتيجة، غير انهم حبسوا فيها نحو ساعتين (من الثامنة الى العاشرة)، ثم فوجئوا بان الذي يخرج عليهم ويعتلي المنصة ليس رئيس اللجنة بل الناطق باسمها المستشار سامح الكاشف. وتلا الاخير على الحضور بيانا بدا مكرسا كله للرد على الانتقادات ومحاولة تبرير قائمة الانتهاكات والخروقات الطويلة، التي اجمعت على ترديدها خلال اليومين الاخيرين قوى المعارضة واحزابها وعشرات المنظمات الحقوقية المحلية ومثيلتها الدولية.
وعلل الكاشف عدم حضور رئيس اللجنة لاعلان النتائج بانه "مشغول في اعتماد وتدقيق اسماء المرشحين الناجحين او من سيدخلون جولة الاعادة" الاحد المقبل.
وقبيل منتصف الليل اوردت وكالة انباء الشرق الاوسط "ا ش أ" النتائج التي بدا ما اعلن منها حتى كتابة هذه السطور لا يكاد ينبىء بشيء جديد مختلف عما سرب في الساعات الـ48 الاخيرة، سواء من حيث اكتساح مرشحي الحزب الحاكم واحتكاره الغالبية الساحقة من مقاعد الدوائر التي حسمت في الدورة الاولى (نحو 40 في المئة فقط) بعد اعلان فوز نحو 209 من مرشحيه في مقابل مقاعد قليلة لاحزاب المعارضة الرسمية لا يزيد مجموعها عن خمسة منها اثنان لحزب "الوفد" الليبرالي الذي بلغ عدد مرشحيه 220 كما نجح مرشح واحد لكل من حزب "التجمع" اليساري، وحزب "الغد" وحزب "العدالة"، فيما خرجت جماعة "الاخوان المسلمين" خالية الوفاض تماما عدا نحو 25 من مرشحيها الـ130 قد يدخلون دورة الاعادة مع سبعة مرشحين من "الوفد" واربعة من "التجمع". اما الحزب الحاكم فسيكون عليه ان ينافس نفسه في اكثر من 90 في المئة من الدوائر المؤجلة للدورة الثانية. وبذلك يكون الحزب الوطني الحاكم قد فاز بنسبة 94,5 في المئة من المقاعد التي حسمت في الدورة الاولى من الانتخابات.
باختصار، هذه النتائج الرسمية اكدت ماشاع في الاوساط السياسية المصرية منذ الاحد الماضي وهو ان نظام الرئيس حسني مبارك سيتمتع خلال السنوات الخمس المقبلة ببرلمان يكاد يخلو من المعارضة، اذ لو تحقق الفرض المستحيل ونجح كل من تبقى من المرشحين المعارضين في دورة الاعادة، فلن يبلغ عددهم جميعا ثلث عدد نواب المعارضة الذين تسربوا الى مقاعد مجلس الشعب في الانتخابات السابقة (2005) والذي وصل الى اكثر من 100 نائب منهم 88 نائبا حققت بهم جماعة "الاخوان" في حينه اختراقا غير مسبوق.
ويذكر ان قيادة الجماعة لوحت خلال مؤتم صحافي عقده مرشدها العام محمد بديع بالانسحاب من "المعركة الانتخابية"، وقال بديع ان "كل الخيارات مفتوحة وسنعود الى مؤسسات (الاخوان) لاتخاذ القرار في شأن استمرار المشاركة في الدورة الثانية من عدمه، معتبرا "ما قام به النظام (في انتخابات الأحد) حلقة من سلسلة عدم المشروعية التي حذرنا منها من قبل، فكل ما بني على باطل فهو باطل، وهذه الانتخابات باطلة في معظم الدوائر، الأمر الذي يطعن في شرعية المجلس (الجديد) وكل ما سيصدر عنه".
واشنطن
وكانت ادارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أنضمت بقوة الى المعارضين المصريين الغاضبين والمشككين في "نزاهة وصدقية" آخر إنتخابات نيابية يجريها نظام الرئيس مبارك (82 سنة) قبل إنتهاء ولايته الخامسة الحالية،وقبل حلول موعد الاستحقاق الرئاسي المنتظر خريف السنة المقبلة والذي يكتسب أهمية مضاعفة باعتباره "سيكون حاسما في تحديد مستقبل السلطة في مصر" وما إذا كان سينتهي بتمديد حكم مبارك ست سنوات أخرى فوق السنوات الثلاثين التي سيكون قد أمضاها رئيسا للبلاد، أم سيخلفه نجله جمال، أم أن إحتمالا آخر لا يزال مجهولا قد يبزغ؟ واسترعى الانتباه أن انتقادات واشنطن هذه المرة لحليفها الأكثر أهمية في المنطقة، لم تأت - كما كان يحصل غالبا -من وزارة الخارجية فحسب وإنما شارك البيت الأبيض نفسه في التعبير عن الشعور "بالقلق والخيبة"على لسان الناطق باسم مجلس الأمن القومي مايكل هامر الذي قال ان الولايات المتحدة "تشعر بخيبة أمل ازاء موقف (السلطات) قبل وخلال الإنتخابات المصرية التي جرت في 28 تشرين الثاني"، وأضاف: "مع استمرار تقويمنا للمعلومات والأنباء الواردة من مصادر متعددة عن مخالفات في مراكز الإقتراع وعدم وجود مراقبين أجانب ووضع العراقيل أمام المراقبين المحليين وتقييد حرية التعبير والصحافة، نجد أن (هذه المخالفات) تدعو الى القلق".
أما الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية فيليب كرولي، فكان قال في وقت سابق إن "التقارير التي جاءت من مراقبين محليين للمجتمع المدني وممثلي مرشحين ومسؤولين حكوميين عن سير الانتخابات تشكل مصدر قلق لنا".
وكان البيان الذي ألقاه الناطق باسم اللجنة العليا للأنتخابات اعترف بما سماه "لجوء بعض المرشحين الى أعمال عنف وبلطجة ووسائل غير مشروعة للتأثير على الناخبين أو تغيير نتائج التصويت"، إلا أنه شدد على أن "هذه الإنتهاكات لم تؤثر سوى في أقل من واحد ونصف في المئة من عدد صناديق التصويت ولم تنل ابدا من سلامة ونزاهة العملية الإنتخابية".
|