|
الخميس, 02 ديسيمبر 2010
يعرّف الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، الذي تبنته الجمعية العامة للأم المتحدة عام 1993، العنف بأنه أي فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل ان ينجم عنه أذى اومعاناة جسمية أو جنسية أو نفسية للمرأة، بما في ذلك التهديد باقتراف مثل هذا الفعل أو الإكراه أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء وقع ذلك في الحياة العامة أو الخاصة». ويسمى هذا العنف أسرياً عندما يكون الفاعل ينتمي للعائلة ذاتها.
إلاّ ان القوانيــن فـــي الكثير مــــن الدول العربية لا تـــزال مقصـــّرة في حمايـــة المرأة، من خلال عدم تعديلها أو سنّ تشريعات تؤدي إلى الحد من الممارســـات المجحفة بحق النساء والتي تصل في كثير من الأحيان إلى القتل.
وعلى سبيل المثال في سورية، لا ينحصر العنف ضد المرأة بأحكام أو تشريعات خاصة، بل يُترك للقاضي، بحسب قانون العقوبات السوري العام، أن يقدر عقوبة من يضرب أي شخص آخر، حتى زوجته أو ابنته، بحسب درجة الإيذاء وضمن المواد التي تنظم عقوبة الإيذاء في شكل عام من دون ربط هذا الإيذاء بتحيزه ضد الجنس الأضعف أو حتى بآثاره على الأسرة.
وفي لبنان، لا يزال المجتمع في انتظار إقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري من قبل مجلس النواب. وفي الأثناء، صعّدت منظمة «كفى عنف واستغلال» و «التحالف الوطني لتشريع حماية النساء» مطالبة الرجل بتحمل مسؤوليته لإقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري، تحت شعار «نساء ورجال شركاء لإنهاء العنف ضد النساء»، وبرفع صوته (باللهجة المحكية) «كون رجّال وارفاع ايدك ضد العنف».
دعوة لبنانية إلى «رفع 128 يداً» لتشريع قانون مكافحة العنف الأسري
تقدمت بهدوء نحو المنصّة. بيدين بدت رجفتهما واضحـــة على رغم خفوت الإنارة، أحكمت حجابهــا على رأسها. شكــرت الحضور، قبل أن تتسرّب الغصّة مـــن صوتها: «لا أعلم إذا كان يتوجب علينا أن ننتقم منه بأنفسنا. لا أعلم إذا كان بإمكاننا حمايتها. نحن أناس متعلمون ولكن لا أعلم إذا خرج من السجن ما الذي سيحصل للأولاد. ماذا إذا أعطوه حضانتهم؟ لا أعلم، نحن أناس مثقفون وضد عقوبة الإعدام، ولكنني أعتقد أن بعض الناس يجب أن يُعدموا عقاباً على ما اقترفوه. لا أعلم، إذا كنت مخطئة. لا أعلم. ولكن هذا ما أشعر به».
كلمات ليلى جاءت بعد أن شاهدت فيلماً وثائقياً يحمل اسم أختها بعنوان «لطيفة وأخريات»، فيلم من إعداد الإعلامية ديانا مقلّد، أضاء على مظاهر العنف الأسري من خلال ثلاث حالات، أبرزهــا حالة لطيفة قصير، والدة الطفلين، التي قتلها طليقها، واكتشف أطفالها جثتها لدى عودتهما من المدرسة.
«لا أعلم»، تلك العبارة التي كررتها مراراً شقيقة لطيفــــة، عكست الوضع النفسي المحرج الذي تعانيه عائلتها. فالمأساة التي اجتاحت منزل العائلة الكبيرة بعد أن قضت على الحياة في منزل لطيفة الصغير، تركت العائلة تحت وقع الصدمة في محاولات لفهم الواقعــــة. التردد الذي رددته الشقيقة المفجوعة، بدا مزدانــاً بهول المأساة، في مواجهة الثقافة التي طالمـــا تربت عليها السيدة وجميع أفراد عائلتها، لتجــــد العائلـــة «المحترمة» و «المتعلمة» نفسها أمام ظلم إنسان أبى أن يتراجع إلاّ بعد أن قتل طليقته وشرّد أطفاله بعد أن قبع وراء القضبان.
أن تأخذ العدالة مجراها بسجن القاتل، أمر مطلوب في أي جريمة تُرتكب، إلاّ أن هذه العدالة تبقى ناقصة بنظر أهـل الضحية الذين لا يسعون وراء الثأر من القاتل، ويتمنون لو أنه لم يرتكب جريمته من البداية، ولم يخسر حريته وظلّت ضحيته بينهم تنبض بالحياة.
قصة لطيفة قصير، تحاكي عشرات القصص، المدونة في سجلاّت المحاكم، بدأت مع رجل معنِّف في البداية، وأكثر عنفاً مع إدمانه على المخدرات حتى وصل به الأمر إلى أن قتل زوجته بعد أن طلّقها. هي قصّة، بدأت بسيطة قبل أن تتحول جريمة في ظلّ غياب قانون يؤمن حماية النساء من العنف الأسري في لبنان.
تحولت لطيفة رقماً في سجلاّت الأموات، بينما بقي يتيماها في عهدة أهلهــــا. يكرر أحدهما (6 سنوات) أنه ظـنّ والدتـه «نائمة»، قبل أن يرى الدم على «المنشفـــة فـــي الغسالة». عائلة انهــارت وذهــب «هادمها» إلى السجن، ليقبــع سنوات لم تحدد بعد (القرار الظــني طالــب بإعدامه ويتوقع أن يخفف الحكم إلـــى مؤبد). تحول منزل لطيفة ضريحاً يقضـــي يتيماها وقتاً طويلاً في تزيينه وتلميعـــه للحفاظ على صورة والدتهما التي اضطرت إلى تركهما.
طالبـــت شقيقـــة لطيفة بإعدام قاتلها، بتردد، لأن طلبها يتنافى مع قناعاتها، ولكنها لم تتردّد لحظة في مطالبتها صراحة بوضع تشريع لحماية النساء من العنف، لتحييد عائلات أخرى عن المأساة التي اجتاحت عائلة قصير.
طلــب ليلى قصيـــر أتى منسجـمـــاً مـــع شعار الحملـــة السنوية التي تحييــــها منظمة «كفى عنف واستغلال». الوثائقي الذي أضاء على مأساة لطيفة قصير وآمنة بيضون (شابة قتلها زوجها في موزامبيق، وعادت إلى عائلتها في نعش، بعد أشهر على زواجها من ابن عمتها)، وألمازة حوراني (التي لا تزال ترزح تحت وطأة العنف من زوجها)، فتح الأمل بإقرار قانون يحمي النساء. «لطيفة وأخريات»، وثائقي تمّ إطلاقه في 25 تشرين الثاني (نوفمبر)، اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، في اليوم الأول لإطلاق حملة الـ 16 يوماً السنوية والتي تنتهي في 10 كانون الأول (ديسمبر)، اليوم العالمي لحقوق الإنسان. الحملة التي أطلقت هذه السنة بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة «أوكسفام» - بريطانيا وبدعم من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدوليــــة، تختلف هذا العام عن سابقاتها في إطلاق أول حملة «شارات بيضاء» في الشرق الأوسط لتأكيد دور الرجال في مناهضة العنف ضد المرأة تحت شعار «نساء ورجالا: شركاء لإنهاء العنف ضد النساء» للمطالبة بإقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري.
«كــونْ رجاّل» (كن رجلاً)، شعـــار أطلقته منظمة «كفى عنف واستغلال» والتحالف الوطني لتشريع حماية النساء، لهذا العام، ويطالب الرجل بتحمل مسؤوليته لإقرار القانون. القانــــون قطــــع شوطاً طويلاً، بعد إقراره في مجلس الوزراء وتحويله إلى مجلس النواب اللبناني، بحسب المحامية ليلى عواضة، التي تقول: «نعمل على تقديم ترتيبه على جدول أعمال المجلس... وكلنا أمل بإقرار القانون بعد أن رحبّت به الكتــل النيابية والنواب المستقلون». رحلة طويلة عبّرت عنها المنظمة بإعلانات حملة شعار Lawding من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب، قبل أن تُلحق بإعلانات الحملة الجديدة والتي تطالب بـ «ارفاع ايدك... ضد العنف!»، «128 يداً... ضد العنف»، في إشارة إلى طلب بـ «التصويت بالإجماع على إقرار القانون» من نواب البرلمان اللبناني البالغ عددهم 128.
|