السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٢٩, ٢٠١١
المصدر: جريدة الحياة
محمد السادس والشباب - محمد الاشهب

عندما خاطب الملك محمد السادس مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، داعياً إلى الحل الديموقراطي للخروج من النفق، كان ذلك تلميحاً للدور المتزايد لفئات الشباب ونخب المجتمع في الانخراط في معركة التغيير.
كان الملك لا يزال ولياً للعهد، وكانت رؤيته تنطبع بقدر كبير من الانفتاح والرغبة في إلغاء الحواجز التي تحول دون انضمام البلاد إلى نادي الديموقراطيات الناشئة. ولم يكن مفاجئاً أن أولى قراراته، بعد تحمل المسؤولية، انصرفت إلى تنقية الأجواء برفع الإقامة الجبرية على مرشد «العدل والإحسان» عبد السلام ياسين والسماح بعودة المنفيين والمغتربين وإطاحة إمبراطورية وزارة الداخلية لتصبح مثل أي قطاع آخر بلا أنياب ويلتزم سلطة القانون.


هذه الرؤية التي هدفت الى تحسين سجل المغرب في ملفات حقوق الإنسان، وجدت صدى تفاعلها في أوساط الشباب الذي بدأ يراودهم الإحساس بأن هناك من يتحدث بصوت عال بأنواع التطلعات التي تخامرهم من دون وسطاء.
كان النهج إيجابياً بامتياز. ولم ينتبه كثيرون إلى أن الجمع بين تطلعات الجيل الجديد ومعاودة إصلاح المشهد السياسي على إيقاع الانفراج والتخلص من القبضة الحديدية كان يراد لزرع بذور الأمل في تربة خصبة قابلة لإنتاج مشروع مجتمعي بمواصفات الهوية والمستقبل.
وربما أن أكثر ميزات الخطاب الرسمي، إذ يصدر عن المراجع العليا، أنه لا يندرج في سياق حملات انتخابية أو مزايدات سياسية بقدر ما يعكس أسلوبا ومنهجية جديدتين في التعاطي والشأن العام.
لكن الصورة المشرقة للتحولات العميقة بدأ يعلوها الإنهاك وغياب الصيانة.
فالأفكار والمتابعات تخضع أيضاً لاستقراء المدى الذي وصلت إليه. هل أحدثت مشارب واتجاهات داخل الرأي العام؟ وهل حافظت على زخم السرعة المطلوبة في الإنجاز؟


لم يكن الملك محمد السادس في حاجة إلى تقارير لإدراك أن الحرب على الفقر والأمية ومظاهر التهميش هي معركته التي يخوضها على واجهات عدة. والأكيد أنه لن يكون في حاجة إلى الالتصاق بهموم الأجيال الجديدة من الشباب الذين يشكلون أفضل استثمار سياسي واقتصادي وثقافي في العنصر البشري لأنه واحد منهم، وخطاباته وتحركاته ذات مغزى خاص في هذا السياق.
منطقياً لا تقول «حركة 20 فبراير» الشبابية غير ما يفكر فيه الشارع المغربي، إن بصوت مسموع أو خافت. فهي جزء منه انبثقت من رحم تفاعلاته واستطاعت أن تملك شجاعة المصارحة بما يخالج النفوس. إنها بمثابة برلمان شعبي يراقب الحكومة والسلطة ويجاهر بمكامن الضعف والخلل في تدبير الملفات والقضايا العالقة.


في هذا المعنى هي أقرب إلى ضمير يستيقظ، ويتحدث من دون استحياء، منتقداً السلوكات المشينة التي تسعى للانحراف بالمسار الديموقراطي. ومن حسن حظ المغرب أن حركة بهذا الزخم أعلنت عن وجودها في الوقت المناسب. لكنها مثل أي فورة غضب يمكن أن تستقطب الاهتمام أو محاولات الالتفاف، بصرف النظر عن خلفياته ودوافعه. وفي حال عيب عليها أنها راديكالية ولا تقدر على التحكم في مسار الأحداث فعذرها أنها ليست حزباً ولا تخوض انتخابات من أجل حيازة مقاعد. وأنها تعبير عن حالات من الإحباط واليأس والتطلع يتعين الإصغاء إليها مهما كانت الخلافات. والأفضل الإنصات إلى النقد الجارح بدل الإغفاء وراء الإطناب المادح.


ليس هناك حركة احتجاجية مفصولة عما حولها من تفاعلات وتناقضات. والأصل في الاحتجاج أنه لا يأتي إلا من تعميق الشعور بوجود أشياء على غير ما يرام. وهذا يحدث حتى في البلدان العريقة في تقاليدها الديموقراطية حيث انبثقت من جامعاتها وشوارعها أكثر حركات الشباب غضباً وثورة وانعطافاً.


بالقدر الذي استطاع المغرب أن يستوعب أحاسيس وتحركات الشارع، في ظل عدوى انتقال الظواهر الاجتماعية، وتحديداً خلال إقرار مسلسل إصلاحات شاملة، بالقدر الذي بدأ يخيم على سمائه مسحة قناعة بأن فعل كل ما يجب عمله وزيادة. ومع أن هذه القناعة تعززها أسباب وجيهة فإن التوقف عندها يجب أن يكون منطلق رهانات جديدة. فالخطر لا يكمن في اتساع الحركات الاحتجاجية التي تعتبر في حد ذاتها حيوية وإيجابية ومطلوبة. لكنه كمن في إقامة أسوار وحواجز تكيف النظرة إلى الشارع، عبر تصنيفه في غير ما هو عليه.
ومن حظ المغرب مرة أخرى أن شبابه يقودون حراكاً إيجابياً يصدح بالحقائق، حتى حين تكون صادمة. ويبقى أن الحرب على الفساد هي حرب كل المغاربة الذين يتوقون إلى تكريس قيم العدالة والكرامة. أما الذين يعنيهم تزييف الحقائق والوقائع، فإنهم ينظرون إلى هذا الحراك من خلف نظارات ينقصها بعد النظر.

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
المغرب: زعيم حزبي يعد بعدم رفع الضرائب إذا تولى الحكومة المقبلة
المغرب: لجنة نيابية تصوّت اليوم على «تقنين» القنب الهندي
المغرب يعلن عن «استقبال استثنائي» لجاليته في الصيف
سياسي مغربي: الحزب المتصدر للانتخابات لن يتجاوز 80 مقعداً برلمانياً
«النواب» المغربي يناقش «تقنين زراعة القنب الهندي»
مقالات ذات صلة
الانتخابات المقبلة وضعف النقاش السياسي في المغرب - لحسن حداد
استياء مغربي من «تهجم على الملك» في قناة جزائرية
الجميع مستاء وسؤال المستقبل مطروح على المغرب - انتصار فقير
عن أزمة النخب السياسية في خطاب العاهل المغربي - بشير عبد الفتاح
الحركات الاحتجاجية المُطالبة بالتنمية تُوحَّد بين البلدان المغاربية - رشيد خشانة
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة