الخميس ٢٦ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تشرين الأول ٨, ٢٠١١
المصدر: nowlebanon.com
الزمن السوفياتي البائد - نصير الأسعد

في الشهور الماضية، وبإزاء الموقف الروسيّ من الثورات العربيّة عموماً ومن الثورة السوريّة خصوصاً، تردّد كثيراً في العديد من المجالس أنّ ثمّة في موسكو عودةً إلى الحقبة السوفياتيّة.

وبطبيعة الحال، ليسَ في هذا القول أيّ إطراء للسياسة الروسيّة بل على العكس.

ذلك أنّ الإتحاد السوفياتي في زمانه، وتحديداً بعدَ إنتهاء الحرب العالميّة الثانية وتقاسم العالم في "مؤتمر يالطا" بينَ الحلفاء ضدّ ألمانيا النازيّة، وعلى الرغم من العناوين التي جذبت الشعوب العربيّة لا سيّما عنوان دعم حركات التحرّر الوطنيّ من الإستعمار وعنوان مقارعة "الإمبرياليّة" لمنعها من نهب ثروات المنطقة، وعنوان "الإشتراكيّة" بمضمون التآخي بين الشعوب من ناحية والعدالة الإجتماعيّة داخل كلّ بلد من ناحية أخرى.. فإنّه – أي الإتحاد السوفياتي – لم يؤسّس في المنطقة العربيّة لوضع "زاهر".

من المفهوم أنّ هذه السطور لا تقدّم مراجعة شاملة للحقبة السوفياتيّة. غير أنّها في المقابل، وبالصلة مع الوضع الراهن، تحاول أن تظّهر ما خلّفته في المنطقة.

 

فالإتحاد السوفياتي الذي نهضت سياستُه الخارجيّة على التموضع ضدّ أميركا، "معذوراً" من منطلق أنّ السياسة الأميركيّة حدّدت من ناحيتها الشيوعيّة والإتحاد السوفياتي عدوّين، دعمَ في المنطقة أنظمة نجمت في الغالب عن إنقلابات عسكريّة، ورفعت لواء الصراع مع أميركا وتحرير فلسطين من إسرائيل. ومع أنّ تلك الأنظمة لم تحقّق تقدماً لشعوبها في الداخل ولم تُنجز في أيّ مجال آخر، فإنّ الإتحاد السوفياتي أغدق عليها صفة "الأنظمة الوطنيّة والتقدميّة"، بل كان له إسهامٌ كبير في نظريّة أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" التي تبنّتها تلك الأنظمة لفرض الإستبداد والتخلّف على شعوبها ولمنع بلدانها من محاكاة العصر والمستقبل.

إنّ هذه الخلاصة، مأخوذة من إطار سوفياتي – عالميّ – إقليميّ متشعّب، هي التي تتّصل بالوضع الراهن. وإليها، ثمّة إضافةٌ لا بدّ منها.

 

عندما سقط الإتحاد السوفياتي قبلَ نحو عشرين عاماً من الآن، "شعر" العرب – على المستويين الرسمي والشعبي – أنّ ثمّة خللاً فادحاً يحدث على النطاق العالميّ، على إعتبار أنّ الإتحاد السوفياتي كانَ ضمانةً لـ"توازن" معيّن في النظام العالمي الذي سيغدو بإنهيار "المنظومة الإشتراكيّة" نظاماً أحادياً بزعامة الولايات المتّحدة. أمّا الآن، وبعد مرور هذا الوقت، يمكن القول إنّ النظام العالمي السابق على الإنهيار لم يكن نظاماً دينامياً، أي إنّ الإتحاد السوفياتي لم يمتلك ضمنه ديناميّة متحرّكة، بل كان دوره جامداً إلى حدّ كبير.

من هنا، فإنّ القول إنّ في موسكو عودةً إلى الزمن السوفياتي، يعني العودة إلى سياسة مرحلة الحرب الباردة بمرتكزاتها الرئيسيّة: الكيد للولايات المتحدة، والوقوف ضدّ أيّ موقف تتخذه واشنطن، والعودة إلى الدفاتر القديمة البالية أي إلى "الأنظمة التقدميّة".

 

وعلى ما يبدو، وبعيداً من بعض التحليلات التي تغلّب بعض الآنيّات، فانّ روسيا لم تطوّر خلال العقدين الماضيين قناعةً تفرضها الظروف نفسها، وهي القناعة بأنّ المرحلة العربيّة – الإقليميّة هي مرحلة التحرّر الديموقرطيّ للشعوب، وهي مرحلةُ إستعادة شعوب هذه المنطقة للموقع العربيّ على الخارطة، كما لم تطوّر مفهوماً بديلاً للنظام العالمي، كيف لا يكون أحادياً، لكن كيف يكون تعددياً وديموقراطياً ومتعاوناً في آن، في ظلّ تفاهمات دوليّة ممكنة على المبادئ التي قامت الأمم المتّحدة عليها في الأصل، وفي ظلّ تقدّم مفاهيم حقوق الإنسان والديموقراطيّة والعدالة على نطاق عالمي واسع. ومن نافل القول إنّ نظاماً عالمياً من هذا القبيل ليس من شأنه أن يجعل "الدول الكبرى" كأسنان المشط، لأنّه لا يختم صراعات المصالح، لكن من شأنه أن يجعل النظام العالميّ أكثر عدالةً. فإنهاء القطبيّة الثنائيّة ثمّ إنهاء الأحاديّة، ليس من أجل زيادة عدديّة وحسابيّة لـ"الرؤوس" بل من أجل عدالة أكبر في "القرار العالمي".

 

وعلى قاعدة أنّ الشيء بالشيء يُذكر، يجب أن يُقال انّ الولايات المتّحدة التي طوّرت خلال الفترة الأخيرة قراءاتها للصراع العربيّ – الإسرائيلي عموماً والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي أساساً، طوّرت نظرتها إلى حقوق الإنسان بما فيها حق الشعوب في التحرّر الديموقراطي في هذه المنطقة من العالم، لا تزال – الولايات المتّحدة – بالرغم من ذلك معطوبةً بـ"خاصرة رخوة"، هي عدم الإستعداد لتجسيد الإستقلال الوطنيّ الفلسطيني فعلياً على الأرض دولةً مستقلّة على حدود 1967. وذلك ما يتجلّى في التهديد بالفيتو في وجه طلب عضويّة فلسطين كدولة كاملة في المنظمة الدوليّة.

إنّ إنتهاء هذا "العطب"، وكلفةُ إنهائه غير باهظة، ستمكّن أميركا من إنهاء الحرب الباردة وبقاياها في العالمين العربيّ والإسلاميّ.

 

ويجب ألاّ يكون خافياً على واشنطن أنّ أوجه العداء لها في المنطقة من جهة وأوجه اللعب على هذا العداء لمنع إنتقال المنطقة إلى عصر جديد من جهة أخرى ستنتهي بإعترافها بدولة فلسطين، ممّا سيمكّن الشرق الأوسط من دخول عصر الديموقراطيّة والحداثة والتقدم.. والسلام لمصلحة السلام الدوليّ برمّته. وإذا كان كثيرون يميلون إلى تقدير أنّ أميركا تعرف بالفعل أنّ "موقفها الفلسطيني" يحرجُها، فإنّ الثورات في المنطقة، أي الربيع العربيّ يجب ان يشجعها على تصحيح ذلك الموقف، فضلاً عن حقيقة أنّ تصحيح هذا الموقف الأميركيّ يشكّل مساهمة حاسمة في إنتصار الربيع العربيّ فيجعل منه بالإضافة إلى كلّ إبعاده ربيعاً لسلام المنطقة.

 

في السطور السابقة إذاً، قراءةٌ للموقف الروسيّ تنسبُه إلى زمن سوفياتي بائد. وحتّى المعلومات المتوافرة تفيد أنّ لتلك "السياسة السوفياتيّة" رجالاً ومسؤولين في دوائر القرار الروسيّ.

على أنّ الهدف من الكتابة في هذا الموضوع لا يقتصر على كشف اسباب "الإستهتار" الروسيّ بصمود الشعب السوريّ وتضحياته، ولا على رفع الصوت تضامناً مع نضال السوريين ضدّ الإستبداد، ذلك النضال الذي يحتاج إلى دعم دوليّ كبير.. لكنّ الهدف هو أكبر من ذلك.

 

ثمّة أمرٌ واضح تماماً، وذلك في الحالة السوريّة تحديداً.

إنّ التوازن الشعبيّ – السياسيّ في سوريّا في صالح الثورة على النظام. بيدَ أنّ هذا النظام يسلّط وأمام أعين العالم أجمع آلة عسكريّة – أمنيّة جهنميّة على الشعب، مما يمنع التوازن الشعبيّ – السياسيّ من أن يترجم نفسه. وتلك الترجمة بحاجة إلى عامل مضاف يُحدث هذا التحوّل التاريخي.

وهذا العامل هو التدخّل الخارجيّ.. بلا أيّ حرج.

الشعب السوريّ هوَ من قام بثورته لكنّه بحاجة إلى تدخّل خارجي.

 

أمّا المتأبطّون شرًّا من التدخل الخارجي، فالجواب عليهم من نقاط عدّة. ففي مواقف هؤلاء المتأبطين شرًّا، ينسبون التدخّل الخارجي إلى ثقافة غابرة، ثقافة رفض "الإمبراليّة" و "الإستعمار" و "الكولونياليّة" وسواها من المفردات، في وقت تحلّ مكان هذه الثقافة "القوميّة واليساريّة" ثقافة حقوق الإنسان الكونيّة. والتدخّل الخارجي اليوم ليس إستعماراً جديداً عندما لا يكون إجتياحاً من الخارج لداخل معيّن، بل مساندةً ومساعدة لثورة داخليّة يمنعها القتل والدماء من تحقيق أهداف الشعب بغالبيته الموصوفة. والتدخّل الخارجيّ ليس غزواً عسكرياً خاصة إذا تمّ بالإستناد إلى نظام قيم عالميّة يبدو أنّ المتأبطين شرًّا لم يبلوروا فكرة عميقة عنها. والحديثُ هنا عن المتأبطين شرًّا هو عن معارضين للنظام السوريّ وليسَ عن أبواق النظام. ثمّ إنّ التدخّل الخارجيّ ذو وجه ضدّ إسرائيل التي لا تزال تضع نفسها في موقع الحليف للنظام.

وإذا كان الهدف لا يبرّر الوسيلة في "السياسة" (وفي مسائل أخرى) فإنّ الحريّة التي بذل الشعب السوريّ لها ما لا يقلّ عن خمسة آلاف شهيد حتّى الآن تستحقّ دعماً.. وإلاّ يكون مباحاً لمن يتسلّط على بلد ما أن يستخدم كلّ وسائل الإبادة.

 

الحريّة قيمة عالميّة وتوحّد كلّ شعوب الأرض. أمّا إذا جرى الإستمرارُ في التحسّب تارةً وفي الظنّ أنّ في قدرة النظام حرق العالم، فستحوّل الثورة السوريّة إلى ثورة جهيضة.

ففي مواكبة ربيع سوريّا وكلّ الربيع العربيّ، الحاجة كبيرة إلى ثقافة فكريّة وسياسيّة تتحرّر من ترسيمات الماضي.. ثقافة يتمّ معها إدراك إنّ السياسة مراحل وإنّ أولويّة إستعادة الكرامة (ذلك الإختراع الثقافي الشعبي السوري الرائع) يجب أن تتحقّق بكلّ الوسائل.. ثقافة لا تجد في الغرب عدوًّا تحت مسمّيات غابرة.. ثقافةٌ تعطي للإنسان في كلّ مكان الأمل بالحريّة وبالتضامن معها والمساعدة لها.

التدخّل الخارجيّ ليس إستقواء عسكرياً بل هو دعمٌ ضدّ إستقواء بالسلاح والدم.

في جلسة جمعت كاتب هذه السطور بسياسيّ لبنانيّ كبير، سأل هذا السياسيّ: أيّهما أخطر.. التدخّل الخارجيّ ام الإستعمار والإحتلال الداخليّ؟ سؤالٌ يختصرُ الجواب عن الإشكاليّة التي يظنّ المتأبطون شرًّا أنّها قائمة وتسربلهم!.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة