|
ليس فقط عدد "الشهداء" كان مفجعاً إنما كل ما أحاط بالمشهد: أن يخرج رجل أمن على التلفزيون الرسمي ويقول عن المتظاهرين "المسيحيين ولاد الكلب غدروا بينا"، أن تكرر قوات الأمن في العهد الجديد طريقة القتل البشعة التي اتبعها العهد السابق فتلاحق المتظاهرين وتدهسهم، أن "يُهيب" التلفزيون الرسمي بـ"المواطنين الشرفاء" النزول إلى الشارع لـ"حماية الجيش"، أن تخرج مانشيت صحيفة "الأهرام" الرسمية في اليوم الأول لتقول إن عدد القتلى ١٩ منهم ثلاثة مجندين (صار ٢٥)، ثم يتحدث عن المجندين الثلاثة (من دون ذكر لأسمائهم) وينسى مَن قُتِل من المواطنين "المسيحيين" تماماً. لكن ما زاد من صدمتي شيء آخر مُستَتفه. كنت سائراً صباح الاثنين - اليوم التالي للمأساة - في مصلحة حكومية، وسمعتُ سيدة تقول لزميلة: "يستاهلوا، رايحين يضربوا الجيش." فالتفتُّ ممتلئاً بالغضب، بعد ليلة لم أستطع النوم فيها من الكوابيس المتلاحقة، وقلت لها: "يا ناس، شوية إحساس! الناس مقتولة ودمها لسّه مبردش وانتِ بتقولي يستاهلوا؟!". وبدأت الموظفة تطلق سيلاً من الأكاذيب عن المتظاهرين الذين قتلوا أربعين ضابطاً، وكانوا مسلحين بأسلحة نارية. وبين الأكاذيب تسألني: "وانت زعلان أوي كدا ليه؟ حد جه ناحيتك؟". يا الله كم فقد الموت هيبته العرفية بين أبناء بلدي!
استمرت نوبة "الردح" بيني وبينها طوال الممر بل وأثناء صعودها إلى السلّم حتى غابت عن ناظري، وهي على الجملة نفسها: إنت زعلان ليه؟ أغلب الظن أنها ظنّتني مسيحيا تجرّأ وعبّر عن غضبه علناً في مكان عام، وعلى رغم ذلك لا ترى مبررا لـ"الزعل". بالنسبة الى مواطن مصري مقهور مسلم، المواطن المصري المقهور المسيحي هو المحل الطبيعي لـ"فش الخلق". هو المحل الطبيعي لـ"الانفعال". هل تعلمون بماذا برر وزير الإعلام "إهابة" التلفزيون الرسمي بالمواطنين النزول إلى الشارع؟ برّره بأنه "انفعال مذيعين".
أما قصتى تلك فتكررت مع كثير من أصدقائي، منهم من اعترض ومنهم من اكتفى بالامتعاض. لي صديقة مسلمة غير محجّبة تعرضت للضرب في الشارع في اليوم نفسه لأن أناساً في منطقة ماسبيرو ظنّوها مسيحية. بالنسبة إليَّ، هذه هي الفاجعة الحقيقية، أن "ينفعل" مواطنون ضد المجنيّ عليهم وليس ضد السلطة التي قتلت إخوانهم المواطنين. في السياسة، ثمة إيجابيات في ما حدث، إصرار المواطنين المسيحيين على مطالبهم من خلال التظاهر العلني، يؤسس لمرحلة جديدة في مصر. موقف القوى الوطنية، ما عدا الإسلاميين، كان حاسماً في الدفاع عن قيم المساواة. هناك ضوء لا تخطئه عين في نهاية النفق.
( كاتب مصري)
|