|
عمان - من عمر عساف:
بعدما انتهى "العرس الديموقراطي" الأردني، كما يحلو للحكومة أن تصفه، وافتتحت أعمال مجلس الأمة السادس عشر، وتوزع النواب على المواقع الحساسة في المجلس، بدأ العمل "الحقيقي" بـ"التشريع والرقابة" على أعمال الحكومة وأدائها.
والمجلس الجديد يعرف أن الشارع يترقبه ويحصي عليه حركاته وسكناته، وأن الرهانات على أدائه تتزايد. وهو، وفق مراقبين يعلم جيدا أنه ينبغي أن يكون مختلفا عن المجالس السابقة التي كانت إرادتها مرتهنة للحكومات، وخصوصا المجلس الأخير الذي حلّ قبل أوانه بدورتين.
والنواب يعرفون أن غياب المعارضة الإسلامية عن مجلسهم (التي تراقبهم بدورها وتراهن على فشلهم) يحمّلهم عبئا آخر ويثقل كاهلهم، إذ يرتب عليهم أن يثبتوا أنهم ليسوا أداة طيعة في يد الحكومة، وأنهم قد يكونون أشرس من المعارضة وأقرب إلى نبض الشارع منها عندما يتطلب الأمر ذلك.
في المقابل، لا يعلق مراقبون وزنا كبيرا على موضوع أهمية أن تكون هناك معارضة وموالاة في مجلس النواب، كما يرى الكاتب السياسي في يومية "العرب اليوم" فهد خيطان. غير أنه يشدد على ضرورة أن يشعر الرأي العام "بوجود سلطة اشتراعية فاعلة ومحترمة تمارس دورها كاملاً غير منقوص وذات تأثير ملموس على السياسات التي تمس حياة الناس ومستقبلهم". عندها يصير إسقاط الحكومات أو منحها الثقة بأرقام قياسية "أمراً طبيعياً وفي سياق صحيح ونظيف" وفق الخيطان.
ويلفت إلى أن الثقة الشعبية بالنواب "انهارت" بفعل شعور غالبية المواطنين بأن مجلس النواب مجرد دمية في يد الحكومة وفي أحسن الأحوال "ديكور لديموقراطية بلا مضمون". ويذكر بأن استطلاعات الرأي أظهرت على الدوام اعتقاداً لدى معظم الأردنيين أن غالبية النواب يسعون الى تحقيق مصالحهم على حساب المصلحة العامة.
ولا يبتعد الخيطان كثيراً في هذا الرأي عن الصحافي راكان السعايدة المتخصص في الشؤون البرلمانية منذ أكثر من 15 عاماً، الذي يرى أن البرلمان في المحصلة ليس مطلوباً لمهمة أو دور بقدر ما هو "ديكور سياسي يزين وجه الدولة (...) ومتطلب غربي".
ويعتقد أنه إذا أراد النواب أن يقدموا شيئا الى الأردن ويقنعوا الناس بجديتهم واستحقاقهم مواقعهم، عليهم أن يقوموا بخطوات عدة، منها: "أن يسقطوا الحكومات التي تعمل في غير مصلحة الوطن ويحجبوا عنها الثقة". وكذلك "أن يقروا قانون الموازنة وفقاً للمصالح الوطنية وأن يراجعوا حساباتها الختامية نهاية كل سنة مالية لمعرفة التقصير وأن يعرفوا بالضبط أين أنفقت". ويشدد كذلك على أهمية أن يقروا قانون انتخاب وطنياً حقيقياً وتمثيلياً يوصل مستقبلاً مجالس اشتراعية حقيقية.
كما عليهم أن يشرعوا قوانين اقتصادية موجهة اجتماعياً ويضبطوا الاندفاع نحو سياسات مرتبطة بأميركا وإسرائيل تقدم خدمات بدون ثمن. ويلخص هذا كله بالقول: "أي أن يحرر نفسه من التدخلات ويمارس عمله الرقابي والاشتراعي وفقاً لاعتبار واحد هو مصلحة الوطن (...) ويسند عمله بخبراء ثقات لمساعدته في دوره". إلى أي مدى يمكن لمجلس النواب الحالي أن يحقق هذه المتطلبات؟ وهل هي متطلبات تعجيزية أو مثالية؟ نظرياً، لا أحد يستطيع أن يقول هذه المتطلبات تعجيزية أو مثالية، لأنها تدخل في صلب وأساس دور أي برلمان.
لكن واقع الحال يشي بغير ذلك، فعلى رغم أن رئيس الوزراء سمير الرفاعي سوّق الانتخابات الأخيرة على أنها نصر مؤزر للديموقراطية، في محاولة لإخراجها على أنها انجاز كبير له ولحكومته، إلا أن كثيرين لا يوافقونه على هذا الادعاء، ولهم في ذلك حجج كثيرة.
فالمعارضة غابت عن هذه الانتخابات وقاطعتها لعدم ثقتها في نيات الحكومة والقانون الموقت الذي أجرتها بموجبه، وكثير من الانتقادات وجهت إلى عمليتي الاقتراع والفرز في العديد من الأماكن وتبعها أحداث عنف واحتجاجات في الشارع.
كما أن جهات وأشخاصاً محسوبين على الحكومة والنظام قالوا أنه غرر بهم وشاركوا في الانتخابات بناء على وعود بعض الجهات وجرى خلاف ما اتفق عليه.
ويلاحظ السعايدة أن أعضاء المجلس الجديد في غالبيتهم ليسوا رموزا اجتماعية ولا اقتصادية أو سياسية أو ثقافية. ويشير إلى أن الآلية التي جيء بالنواب من خلالها ركزت على "تغيير أكبر عدد من الوجوه على حساب الجودة". ويعتقد أن التمثيل الحقيقي للشارع "غير متوافر"، وأن الموجود هو "نتاج تغليب وتعظيم دور العشيرة على المجتمع المدني، والمال السياسي، واللمسات الحكومية". ولفت إلى أن الكتلة الوحيدة التي لها لون سياسي (يسار ديموقراطي) عزلت تماماً في مجلس النواب الجديد وأقصيت عن كل المواقع "وكأن هناك رفضاً للفكر السياسي".
ويقول مراقب أن هذا هو أول مجلس يعرف رئيسه قبل إجراء الانتخابات النيابية بشهرين، ويأتي إلى الرئاسة بالتزكية ومن دون منافسة، على رغم أنه لم يسبق له أن كان نائبا من قبل ولم يختبر العمل النيابي.
ويعتقد هذا المراقب، الذي رفض نشر اسمه، أن هذا الأمر يمكن قبوله في بلد مثل لبنان، لأن التركيبة السياسية والطائفية في هذا البلد "تفضي إلى (الرئيس) نبيه بري (...) لكن في الأردن لا معنى لها، إلا أن تكون "قرارا من فوق".
ونوعية تركيبة النواب الحالية وحدها ليست كافية لحسم مقدرة المجلس على إحداث تغيير حقيقي، فهو حتى لو تألف من شخصيات سياسية وأناس ذوي تمثيل حقيقي شعبياً، فلن يُحدِث أمراً جديداً. ذلك مردّه الى الدستور الأردني الذي يجرد النواب من صلاحياتهم ويجعل بقاء مجلسهم رهنا بإرادة الملك وليس الشعب الذي انتخبهم، حتى أن أحدا لا يذكر أن أيا من مجالس النواب السابقة أكمل مدته الدستورية. بل أن المجالس الأخيرة، منذ عودة الحياة النيابية (عام 1989)، حلّت من دون إبداء أسباب، خلافاً للدستور الذي يوجب تبيان سبب الحل.
والدستور الحالي يحرم على الأحزاب والكيانات السياسية مبدأ "التداول السلمي للسلطة"، كما أن عرفا تكرس منذ أواسط التسعينيات يحبذ حرمان النواب من الانضمام الى أي حكومة ويفصل تماماً بين البرلمان والحكومة، مع أن الأصل في الديموقراطيات الحديثة أن تأتي التنفيذية من رحم الاشتراعية.
في ضوء هذه الموانع، ماذا يمكن لأي مجلس نواب أن يغيّر؟ وكيف يمكن محاسبة النواب المنتخبين على أدائهم؟ أم أن حقيقة أن المطلوب من مجلس النواب ليس تقديم شيء أساسي، إنما "امرار شيء أساسي"، كما يعتقد السعايدة "على صعيدي السياسات الاقتصادية أو ملفات الإقليم الملتهب، وخصوصاً ملف التسوية؟".
|