الجمعه ٢٧ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون الأول ٥, ٢٠١٠
المصدر : جريدة النهار اللبنانية
لبنان
فيلم وقضية: "عن لطيفة وأخريات..."

مراجعة جاد يتيم     

إذا كانت قضية الدفاع عن النساء في وجه العنف الممارس ضدهن من المجتمع أصبحت شعاراً مستهلكاً في بعض الأحيان لناحية الرتابة في ترداد الأفكار نفسها عاماً بعد آخر، من دون أن يعني ذلك الانتقاص من أهمية القضية ومعانيها، فإن الفيلم الوثائقي "عن لطيفة وأخريات..." للزميلة ديانا مقلّد والذي تكفل تلفزيون "أخبار المستقبل" (المؤسسة التي تعمل مقلّد لديها) بإنتاجه، يعطي للقضية بعداً حياً ويرن جرساً خطراً بين الناس.


ذلك أن الفيلم الذي يتناول مأساة ثلاث نساء، أبرزهن لطيفة قصير، أودى زواج فاشل بحياة اثنتين منهن، أثار العواطف ودق ناقوس الخطر لدى الجمهور الذي تابعه على مدى أكثر من 50 دقيقة في مسرح بابل في الحمرا الأسبوع الماضي وذلك لمناسبة إطلاق الحملة السنوية لمناهضة العنف ضد النساء من قبل جمعية "كفى" والتي كانت هذا العام بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية تحت عنوان "نساء ورجالاً، شركاء لإنهاء العنف ضد النساء".


الضحايا في الظاهر ثلاث، والقاتل أو المعتدي واحد... لكن الفيلم يجعلنا نغوص إلى قلب المآسي على ألسنة أهلها، لنكتشف أن من قتل لطيفة لم يكن زوجها ابرهيم فقط، بل مجتمع وعائلة وقوانين وثقافة رجعية تنظر إلى المرأة كنصف إنسان إذا جاز التعبير، بينما بالإضافة إلى لطيفة وآمنة بيضون (18 عاماً) اللتين انتهى بهما الزواج إلى قبرين في قريتيهما في جنوب لبنان، فإن ضحايا العنف المميت الذي وقع عليهما يشمل ولدي لطيفة جنى وخليل، وأهل الضحيتين، وهم مسؤولون وضحايا في الوقت نفسه.


فبحسب أخوات لطيفة وعائلتها ابرهيم، العريس المغترب القادم من ألمانيا "غني (ميسور الحال)" وبعد السؤال عنه تبين أنه يتم واجباته الدينية بمعنى أنه "يصلي ويصوم" ولطيفة "قاربت الثلاثين"... إذن يبدو  أن الضغوط والقيود الاجتماعية مورست عليها لتقبل بهذا الزواج حتى "لا يفوتها القطار" وتبقى عانساً في بيت الأهل. وتراكم الخطأ في بيئة يغريها المهاجر ميسور الحال وتعتبر أن التدين قرين الأخلاق وبالتالي يشكل أساساً لنجاح العلاقات الإنسانية  ومنها الزواج.


وهذا العامل لعب دوره أيضاً مع آمنة التي لم تدم معرفتها بابن عمتها الذي يكبرها بـ 18 عاماً، والمطلق مرتين، الآتي من موزمبيق للزواج بفتاة لبنانية، سوى شهرين لتسافر بعدها إلى هناك وتنقطع أخبارها تقريباً حوالى شهرين عادت بعدهما جثة متحللة وأثبتت التحقيقات كما في حال لطيفة أن الزوج هو القاتل، بعدما تم إلقاء القبض على كل منهما.


فشقيق آمنة، المتزوج من أخت الزوج - القاتل، يقول انهم لم يعرفوا أن ابن عمته بهذه الأخلاق حيث اعتاد تعذيب نسائه، مضيفاً أنه "لو عرفنا، حتى لو كان من أفريقيا، ما كنا زوجناه أختي"، وهذا دليل على أن الوضع المالي للعريس هو إغراء يكفي لعدم التحقق من أخلاق الشاب المتقدم للزواج.


لا بل ساهم في الاستهتار بالسؤال عن أخلاق الشاب أن زوجته الثانية التي هربت منه بعد نحو 18 عاماً من الزواج ليست سوى "أفريقية" وكأن ذلك كاف ليجردها من أن تكون صاحبة حق، ويبرئ زوجها لأنه لبناني.


وفي حين بدأت المعاناة مبكرة فإن لطيفة شكلت نموذجاً للمرأة التي تصمت عن حقها وهمها الأول الحفاظ على البيت والعائلة بأي شكل ولو على حساب كرامتها الإنسانية. لكن اكتملت المعاناة فصولاً مع مطالبة لطيفة وأهلها الزوج بالطلاق بعدما كان يشبعها ضرباً وخنقاً يوصلها حتى شفير الموت أمام طفليهما.


ذلك أن قضاة المحكمة الشرعية اعتبروا أن لا شيء يدعوهم إلى وجوب تطليق لطيفة من زوجها على الرغم من أنه يضربها ويتعاطى المخدرات، وذلك بحجة أنه ما دام يؤمن لها البيت والطعام فذلك يكفي من الناحية الشرعية، ما أدى لأن يمتد جحيم لطيفة 10 سنوات. وهنا السؤال، ماذا لو كان هناك قانون مدني موحد للأحوال الشخصية يحترم حق المرأة بالطلاق كشريك كامل في مؤسسة الزواج لا كمخلوق "ناقص عقل ودين"؟ وإلى متى تبقى النساء، والرجال كذلك، قطعاناً تنحر على مذابح المحاكم الشرعية في غياب أي بديل مدني لمن يرفض الالتحاق بقطيع الطائفيات؟
ولدا لطيفة، خاصة خليل وهو الصغير، شاهدا أمهما جثة بعدما لحقها طليقها إلى شقتها في سن الفيل حيث كانت قررت العيش مع ولديها بعيداً عن بيئتها حتى تهرب من النظرات التي تعتبرها "مطلقة" وبالتالي لتبعد أهلها عن المتاعب و"القيل والقال". وهنا تركها الأهل بعيداً في وقت كان فيه الجيران يعاينون كيف أن طليقها اعتاد التهجم عليها وضربها في منزلها من دون أن تقبل لطيفة رفع شكوى إلى الدرك.


لكن يبدو أن  الشكوى إلى قوى الأمن الداخلي لم تجلب إلا الاستهزاء بالنسبة للحالة الثالثة التي يتحدث عنها الفيلم وهي ألمازة الحوراني الناجية الوحيدة في الفيلم والتي سلبها زوجها الثاني موسى أبو الياس كل ما تملك وتعيش منذ 9 سنوات عند ابنتها من زواجها الأول من دون أن تنصفها المحاكم اللبنانية حتى الآن، وفي ظل ارتشاء العديد من المحامين الذين تسلموا قضيتها كما تقول.


ذلك أنه رغم "الإرهاب" الذي مارسه زوجها السابق بحقها، فإن عناصر المخفر، وعلى الرغم من التعهدات التي جعلوا زوجها السبعيني يوقع عليها وبقيت حبراً على ورق، أخبروها أن "المخفر لا يتدخل بين المرأة وزوجها"، وهذا في الواقع إن دل على شيء فعلى حقيقة مفجعة هي أننا في دولة لا تعاملنا كأفراد، وبالتالي ينتفي حق ألمازة وغيرها بالشكوى من ضرب وترهيب تتعرضن له لمجرد أنهن زوجات فلان وعلان. إذن لا حقوق للبنانيات وبالتالي اللبنانيين كأفراد ومواطنين.


وبالعودة إلى ولدي لطيفة، فقد اعتادت ابنتها جنى أن تزور قبرها كلما مرت بالقرب من المقبرة، بينما خليل الذي يتوعد دائماً بضرب أبيه، فإن الزميلة مقلّد استطاعت عبر أسئلة سلسة أن تخرج منه بعض مكنوناته الخاصة بجريمة قتل أمه التي وقعت يوم عيد ميلاده الذي كانت لطيفة تنوي الاحتفال به وجلبت له ثيابا جديدة للمناسبة، فيقول لدى سؤاله عن والدته "ما بدي احكي عن ماما بس عن يللي قتل ماما".


وفي هذه الناحية أغفل الفيلم ما مصير الأب القاتل، وما يمكن أن ينتهي إليه مصير الطفلين في حال لم يحكم بإعدامه. كما لم يتم التطرق إلى ما إذا كان الولدان يتلقيان أي رعاية نفسية أو ما رأي علم النفس بالآثار المتوقع أن تتركها الجريمة عليهما. وفي حين لم يتم الحديث مع أي من مدرسيهما أو رفاق المدرسة، فإنه جرت مقابلات معبرة مع أترابهما من الأقارب وكذلك جرى التركيز على رسوماتهما.
أهمية الفيلم أنه يضعنا أمام حقيقة أنه يجب عدم الاستهتار بالعنف الممارس ضد النساء والنظر إلى ضرب الزوج زوجته أو تعنيفها على أنه نتيجة غضب عابر، بل يجب أن نأخذ بالحسبان أنه قد يتطور إلى جريمة قتل. والأدهى فإنه من الممكن أن تكون الضحية أختاً أو بنتاً أو شخصاً عزيزاً، وهنا نجحت الزميلة مقلد في إثارة القلق والانتباه.


لعل أهم ما يجب تلقفه من هذه التجارب القاسية أننا أمام نساء يقتلهن القانون والمجتمع والزوج ألف مرة، بينما نحن لا نرى من جبل الجليد هذا كله – أو لا نهتم بالأحرى – إلا قمته القصوى حين تقع جريمة قتل، فيكون الفاعلون فيها كثراً، وضحاياها خارج القبر كثراً أيضاً.


ورشة العمل كبيرة لتحرير المرأة بل الإنسان في لبنان من قيود العقليات الرجعية والقوانين التي لا تحترم المساواة بين المرأة والرجل كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات بحسب الدستور، لذا نجد أن عملاً مضنياً يجب إنجازه قبل أن نجيب عن سؤال خليل حين يرى قبر أمه لطيفة: هل أمي هنا بمأمن بحيث لا يستطيع أبي اللحاق بها وضربها مجددا؟


• كما في كل عام تحيي منظمة "كفى عنف واستغلال" حملة الـ 16 يوماً العالمية المخصصة لمناهضة العنف ضد المرأة والتي تبدأ من 25 تشرين الثاني،  وهو اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، ولغاية 10 كانون الأول وهو اليوم العالمي لحقوق الإنسان. وهذه السنة تطلق "كفى" و"التحالف الوطني لتشريع حماية النساء من العنف الأسري"، بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية ومنظمة أوكسفام البريطانية وبدعم من عدد من وكالات الأمم المتحدة والسفارات والمنظمات الدولية، أول حملة "شارات بيضاء" في الشرق الأوسط للتأكيد على دور الرجال في مناهضة العنف ضد المرأة تحت شعار "نساء ورجالاً، شركاء لإنهاء العنف ضد النساء" للمطالبة بإقرار قانون حماية النساء من العنف الأسري.



 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة