الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٢٢, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
عودة السياسة بعد زوال الشعار الديموقراطي - سامر فرنجية

لم يرث ألكسندر سولجنتسين ورفاقه الاتحاد السوفياتي المنهار بعدما عانوا من قمعه سجناً وهجرة، بل سبقهم إلى الوراثة أولاً ما عُرف بـ «الأوليجاركية الروسية»، مثل رجال الأعمال بوريس بيريزوفسكي و‫ميخائيل خدركوفسكي ومن ثمّ القيصر الجديد فلاديمير بوتين ومنظومته الاستبدادية. فسقط معارضو الشيوعية معها، وحملت المرحلة الجديدة أبطالاً لم يكن لهم دور في القضاء على النظام القديم. وإلى هذا الحد أو ذاك، تكرر هذا النموذج في التداول في معظم دول الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية، حيث تمّ استبعاد معارضي النظام لمصلحة قوى جديدة، جزء منها كان شريكاً في الأنظمة المقتلعة.


مع بدء عملية تثبيت نظام ما بعد الثورة في المجتمعات العربية، بدت بوادر شبيهة أخذت شكل التضحية بشباب الثورة واستبدالهم بأطراف شاركت في الثورات على مضض. فمن مصر وازدواجية الجيش والإسلاميين إلى صعود القوى الإسلامية عموماً، يبدو وكأن ما يُعرف بالقوى الديموقراطية والمدنية، بتلاوينها اليسارية والليبرالية، مهددة بالاختفاء في المرحلة الجديدة. ولهذه التضحية تاريخ عريق. فمن قمع الشيوعيين على أيدي الأنظمة القومية والبعثية، إلى إبعاد اليسار في الحرب اللبنانية أمام ممثلي الطوائف «الحقيقيين»، وصولاً إلى التخلي عن اليسار الممانع من قبل تحالف المقاومة بغية الحفاظ على النظام السوري، يبدو وكأن شبح الثورة الإيرانية في قمعها لمكوّنها اليساري لا يزال يسيطر على تقدّميي هذه المنطقة.


ولظاهرة التضحية بالمعارضين الأوّلين تفسيرات عدة، منها بنيوي ومنها تاريخي. فمن جهة، هناك أسباب متعلقة بالفارق بين اللحظة الثورية ولحظة ما بعد الثورة، وحاجاتهما المختلفة على الصعيد السياسي والتنظيمي.


هكذا يمكن قراءة ملامح عملية التضحية هذه في تجارب عدة كالثورة الروسية أو الإيرانية، حيث تمّ استبعاد بعض الثوار لمصلحة أقلية حاكمة. فمن يتقن عملية إنجاز الثورة ليس بالضرورة من ينجح في العملية التالية، أي عملية بناء وتثبيت نظام ما بعد الثورة.
وبالعودة إلى ثوراتنا، يظهر أن إسقاط مبارك يحتاج إلى تقنيات مختلفة عن متطلبات خوض الانتخابات التي تلت هذا الإسقاط، وهي تقنيات لم يكن يملكها من شارك في الثورة.


بيد أن لعملية التضحية هذه أسباباً أخرى متعلقة بخصائص مرحلتنا التاريخية، مرحلة الثورات الديموقراطية. فالعنوان المشترك لثورات 1989 ومن ثم «الثورات الملوّنة» وصولاً إلى الثورات العربية، مطلب ديموقراطي فضفاض، يُرفع في وجه أنظمة لم يبق منها إلاّ وجهها القمعي. ذاك أنه لم يكن لتلك الثورات لون سياسي جامع أو مطالب سياسية محددة أكثر من كسر وطأة النظام الموجود وحكمه القمعي. بهذا المعنى، شكّلت الديموقراطية العنوان الجامع لقوى لم يوحّدها إلاّ العداء للحاكم الحالي.
غير أن سخرية التاريخ جسّدها أن تلك اللعبة الديموقراطية نفسها قضت على من ناضل من أجلها، آتيةً بجوقة من الرأسماليين الفاسدين والقوميين المتطرفين وأصحاب مشاريع استبداد جديد في بعض الدول، وإسلاميين وسلفيين في دول أخرى.


ويمكن الاستعانة بمفهوم «وسيط الاختفاء» للمفكر الأميركي فريدريك جيمسون لمحاولة فهم هذه الظاهرة. فقد ابتكر جيمسون هذا المفهوم لالتقاط طبيعة ودور القوى والأفكار والمؤسسات السياسية التي تقوم بعملية الانتقال من نظام إلى آخر وتنتفي حينما يُستكمل هذا الانتقال. ويستعمل جيمسون هذا المفهوم لتحديد دور البروتستانتية في التحول من نظام إقطاعي نحو آخر رأسمالي. فـ «الأخلاق البروتستانتية» قامت، بحسب قراءة جيمسون لماكس فيبر، على إعادة تركيب بعض أجزاء النظام الموجود بطريقة فتحت بها الباب أمام إمكانية تجاوزه. ومع التجاوز الرأسمالي للنظام الإقطاعي، تزول الحاجة إلى دور هذا الوسيط. بهذا المعنى، يؤسس «وسيط الاختفاء» لتجاوز مرحلة ما في اللحظة نفسها التي يؤسس بها لشروط اختفائه وتجاوزه.


يمكن قراءة عملية التضحية بالمكون الديموقراطي والمدني من هذا المنظار. فمنذ الانتقال إلى «عصر ما بعد الأيديولوجيات»، انحصر خطاب من كان يُعرّف عن نفسه كيساري أو ليبرالي في عنوان واحد: الديموقراطية. وتأكد هذا المنحى مع صعود المجتمع المدني، كإطار وحيد للتحرك السياسي. هكذا خسرت السياسة، الفاقدة لدورها في ظل الأنظمة القمعية، معناها الصراعي لتصبح محاولة لتحديد شروط اللعبة وإطارها العام. وقد استُبدلت العناوين الصراعية، التي تقوم على فرضية انقسام المجتمع، بأخرى جامعة كحقوق الإنسان ومحاربة الفساد والمطالبة بانتخابات. وكانت فعالية هذه الإستراتيجية مرهونة بوجود حاكم، يمكن أن يعطي معنى ما لتلك الشعارات. فالديموقراطية عنت إسقاط علي عبدالله صالح، والتداول عنى رفض ترشيح جمال مبارك، ومحاربة الفساد محاسبة بن علي وعائلته.


لقد اختفت الحاجة إلى ذاك الخطاب والمجموعات التي تحمله في لحظة نجاحها وانتقال مجتمعاتها إلى أنظمة أقرب إلى الديموقراطية. وبهذا المعنى، شكّلت تلك المجموعات «وسيط الاختفاء» بين نظامين، ومع نجاح عملية الانتقال إلى مجتمع جديد، خسرت سبب وجودها. فـ «المعارضة الديموقراطية» مرهونة بوجود الطاغية الموّحد، إن في خطابها أو في السياسة. فخطابياً، كانت المنافسة شمولية، تتواجه فيها كُلّية الحكم مع كُلّية الشعب، وتُطرح الديموقراطية مقابلاً للنظام. أما سياسياً، فشكّل «النظام» نقطة التقاء وتوحيد لتلك المعارضة، التي كانت قد استغنت عن برامجها السياسية من أجل لحظة المعارضة، المفروضة من النظام.


هكذا يمكن اعتبار هذا النموذج من المعارضة، وإن كان ضرورياً في لحظة ما، جزءاً من النظام القديم، أو بلغة أدق، جزءاً من عملية تجاوز هذا النظام. فكما أطاح انهيار الاتحاد السوفياتي سولجنتسين والشيوعيين، يبدو أن انهيار الأنظمة العربية سوف يطيح الطغاة ومعارضيهم في آن.


هذا لا يعني أن كلام الأقلّويين الجدد مصيب. فهم ينتمون إلى زمن ما قبل مبارك، على رغم محاولات تحديث خطابهم. ولا يعني كذلك أن شعار حقوق الإنسان أو الديموقراطية لم يكن صائباً. فهو كان ضرورياً في فترة ما، ولا يزال ضرورياً في بلدان كسورية. المقصود هو التلميح إلى أن الثورات العربية طوت صفحة في الخطاب المعارض وليس فقط على صعيد الأنظمة السياسية. فلم يعد كافياً معارضة الطغيان أو محاربة الفساد في زمن الانتخابات والخيارات السياسية، بل الأجدى العودة إلى السياسة، الممنوعة لعقود، وإلى الصراع والانقسامات والمصالح والخصومة. فقد انتهى الشعب مع أول انتخابات لتعود الطبقات والمجموعات والأحزاب، واختفت الوحدة الوطنية لتعود الانقسامات والصراعات والمصالح المتضاربة، وذهب النظام ومعه معارضته. والخطر يكمن اليوم في محاولات استرجاع تلك الكليات على حساب السياسة.
* كاتب لبناني



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار
الفاتيكان يدعو البطاركة إلى «لقاء تاريخي» لحماية لبنان
البنك الدولي: لبنان يشهد إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية العالمية منذ منتصف القرن 19
عون: الحريري عاجز عن تأليف حكومة
اشتباكات متنقلة في لبنان على خلفيّة رفع صور وشعارات مؤيدة للأسد
مقالات ذات صلة
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
حروب فلسطين في... لبنان - حازم صاغية
حين يردّ الممانعون على البطريركيّة المارونيّة...- حازم صاغية
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
جمهوريّة مزارع شبعا! - حازم صاغية
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة