|
اليوم (الاربعاء) يخرج عشرات الآلاف من الشباب المصري الى الساحات والميادين، ليس ليحتفلوا بمرور عام على الثورة العارمة التي أشعلوها مطلع العام الماضي وكانوا هم وقودها الاساسي ودفعوا فيها مئات الأرواح وعددا هائلا من الجروح والاصابات الجسيمة، التي طاولت نسبة ضخمة منها عيون فتية في مقتبل العمر سوف يعيشون حياتهم كلها محرومين نور البصر (أكثر من 2500 حالة عمى جزئي أو كلي). الشباب هؤلاء يتشنجون ويتشددون جدا في رفض مجرد الكلام عن الاحتفال بثورة يعتبرونها على وشك الاجهاض وتحتاج الى موجة ثورية ثانية قالوا في عشرات البيانات التي أصدرتها حركات وجماعات تتحدث باسمهم إنهم سوف يبدأون فاعلياتها اليوم ولن ينهوها قبل تحقيق القصاص من قتلة الشهداء سواء أيام مبارك أو أيام ورثته أعضاء المجلس العسكري، وكذلك لن يغادروا "ميدان التحرير" قبل ترك الاخير السلطة وتسليمه اياها فورا ومن دون انتظار نهاية حزيران المقبل كما تعهد الجنرالات!
هذا المطلب قد تراه غالبية واضحة من المواطنين العاديين وقطاع واسع من النخبة السياسية محض نزق يشي بعذرية وبراءة سياسية مفرطة (البعض ربما يسميها طفولة يسارية)، لكن الشباب من جانبهم يستصرخون الجميع أن يحكموا عقولهم وضمائرهم وينظروا الى لوحة الفوضى العارمة والفشل الذريع التي خلفها "حكم العسكر" مدى عام كامل وسوف يعثرون فيها على أقوى حجج ودوافع الهتافات الصاخبة المطالبة بانهاء حكم المجلس العسكري "الآن الآن وليس غدا"...
غير أن المشكلة التي يواجهها تنفيذ هذا الشعار ليست كاملة فقط في خريطة توازنات القوى المعقدة المتحكمة في مصير "السلطة العليا" في بلد مثل مصر، وإنما مضافة اليها في اللحظة الراهنة تعقيدات ومشاكل عويصة أخرى أهمها أن كل "المدنيين" وعلى رأسهم جماعات الاسلاميين الذين ورثوا حزب مبارك المنحل وهيمنوا على البرلمان، لا يخفون عزوفهم بل رعبهم من التورط في أخذ هذه السلطة الآن حتى لو تركها حائزوها الحاليون على قارعة الطريق.
ربما التفسير السهل والجاهز لهذا العزوف أن صعوبة الوضع القائم في البلاد حاليا وبؤسه يجعلان السلطة تبدو فاقدة لطعم المغانم ولا تثير شهية حتى الانتهازيين الطامعين المتعطشين الى متعتها... وعلى صواب هذا التفسير، فانه غير كاف إذ يبدو ان تراكم سوء استخدام سلطة الحكم خلال حقب وعقود طويلة أصابها هي نفسها (مجردة عن أية ظروف) بعطب جسيم وسوء سمعة مزمن جعل كل من يقترب منها يتوقف مترددا خائفا من احتمال ان تكون "هدية مفخخة"!
|