|
هل ثمّة مقياس محدّد نقيس به النجاح أو الفشل الذي قد تحصده الأنظمة المنبثقة من الثورات العربيّة، والتي يطغى عليها اللون الإسلاميّ على نحو أو آخر؟
أغلب الظنّ أن الجواب نعم، وأنّ تبيّن الفارق بين تعابير النجاح والفشل لن يكون صعباً. فإذا ركّزت الأنظمة الجديدة على بناء حياة سياسيّة وعلى ترميم اقتصادها وتوفير فرص عمل لطالبيها، كان ذلك إشارات إلى نجاح. وإذا ارتفعت، في المقابل، الأصوات التي تطالب بالقدس وبالخلافة، وربّما بالأندلس، وكذلك بقضايا النساء ولبسهنّ وحرّيّاتهنّ، وبحقوق الكتابة والرسم والتعبير، كان المعنى أنّ الفشل هو الحصيلة التي انتهت إليها تلك الأنظمة.
ذاك أنّ أولويّة السياسة والاقتصاد تعني حسم المسألة الوطنيّة (بحيث ينتفي ذاك الاختلاف الذي لا يوجد إلاّ في العالم العربيّ بين "الوطنيّ" و"القوميّ"). وهي تعني أيضاً سيادة حسّ نفعيّ وبراغماتيّ يتقدّم على الهوى الايديولوجيّ والتعصّبات الموروثة. وهنا لا بدّ أن يتكيّف الإسلاميّون أنفسهم مع ضغط الواقع بأسئلته وإملاءاته، وأن تتراجع تدريجيًّا انحيازاتهم العقائديّة المسبقة أمام الحاجات الملحّة لشعوبهم.
وبالطبع فإنّ استقرار العمليّة الانتخابيّة والاحترام الفعليّ لتداول السلطة سلميًّا سيكونان شرطاً ضمنيًّا شارطاً لهذا التكيّف، إذ لا بدّ للأحزاب الانتخابيّة المعنيّة بمصالح المقترعين أن تتخفّف من حمولاتها الإيديولوجيّة ذات الأثر الكارثيّ على تلك المصالح، وأن تستجيب لما يريده مقترعوها.
أمّا القدس والخلافة والأندلس والنساء والكتابة والقراءة وسوى ذلك فلا تعدو كونها إشارات إلى أنّ الأنظمة الجديدة لا تعمل، وإلى أنّ القوى الإسلاميّة التي تمسك بزمام السلطات الجديدة تريد الهرب من الالتزام الديموقراطيّ المعلن إلى خليط من "قضايا المصير" والمسائل التافهة. وهنا نكون أمام تكرار جزئيّ للحقبة الناصريّة الممتدّة بعثيًّا، حيث وفّرت "قضايا المصير" قاطرة هروب كبير من مهمّات بناء الدول وإنشاء حياة سياسيّة واقتصاديّة محترمة فيها.
على أنّ هذا التقسيم العريض لا يعفي من احتمال ثالث سيكون، في حال حصوله، الأسوأ بإطلاق. والمقصود هو أن تتضافر ظروف محلّيّة ودوليّة (كالأزمة الاقتصاديّة مثلاً) تطيح إمكانات البناء السياسيّ والاقتصاديّ في بلدان الانتفاضات. في هذه الحال المشؤومة، التي قد يفاقمها في المشرق التعنّت والجلافة الاسرائيليّان، لا يمكن إلاّ أن نتوقّع عودة شعبويّة وديماغوجيّة إلى القدس والخلافة والأندلس وحقوق النساء وحرّيّات الإبداع. وهي، في هذه الحال، ستكون عودةً معزّزة بانبعاث الغرائز الايديولوجيّة القديمة وبقطع الطريق على التحوّل نحو مستقبل جديد واعد.
|