الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيار ٨, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
 
الثورات العربية: تغيير نماذجنا التحليلية - جوزف باحوط

ما يسمى الآن "الثورة العربية" سوف يكون سلسلة طويلة من التغييرات والتحولات ما زال معظمها غير قابل للتوقع حالياً. ولفترة تزيد عن عقد ستبقى الفوضى سمة بنيوية.

تمثّل الثورات العربية، من وجهة نظر ماكرو - تاريخية، أحد أضخم التغييرات في هيكليات الشرق الأوسط منذ النشوء المعاصر للمنطقة. حتى الآن، لامست التحوّلات ثلاثة مستويات على الأقل: مستوى المجتمع والقوى  الاجتماعية، ومستوى الدولة والقوى السياسية، ومستوى المنظومة الإقليمية ومكانها في المنظومة الدولية وتداعياتها عليها.


في المجتمعات التي كانت تُعتبَر مشلولة بالسلبية السياسية، أصابت حمّى مفاجئة وغير متوقّعة "الشارع" ويبدو أنها لن تنحسر. ما يسمّيه البعض "تحريروقراطية" - الحكم من طريق الساحات والميادين - هو ظاهرة سوف يكون على كل الحكومات الجديدة التعامل معها من الآن فصاعداً. في موازاة التراجع المتزايد للسلطة والسيطرة المطلقتَين من جانب الدولة والأجهزة الأمنية، اكتسب الأفراد والحركات الاجتماعية العفوية قدرة أكبر على المبادرة وتأثيراً أكبر، واستنبطوا تكتيكات وتقنيات مبتكرة ومفاجئة للتعبئة.


وقد تم اللجوء إلى الطيف الكامل من الإمكانات التي تتيحها الأدوات الجديدة لشبكات التواصل الاجتماعي تحقيقاً لتلك الغاية، وجرى استخدامه بإتقان شديد. عبر الاعتماد على ما يُقدّمه الفضاء الإلكتروني، أدخلت الحركات الاحتجاجية التي لا رأس لها ولا قيادة عامل التأثير المضاعف الذي تؤمّنه الشبكات. فهذه الوصفة التي تقع في مكان ما بين أوليغارشيات الحكّام المتقدّمين في السن الذين يتمسّكون بالسلطة والتنظيمات الإسلامية المتراصّة، هي التي أتاحت لشريحة اجتماعية منسيّة من الشباب الليبراليين البروز وإعادة تأكيد وجودهم على الساحة السياسية.


إذا كان نموذج الدولة العربية القديم يُحتضَر الآن، فإن شكل النماذج الجديدة التي تدّعي الحلول مكانه لم يُرسَم بعد. الأمر الواضح للعيان في الشرق الأوسط حتى الآن والذي لا يمكن إنكاره هو الأفول التدريجي لنمط كامل من الشرعية رأى النور في خمسينات القرن العشرين وستيناته، وكانت هذه الشرعية تعتمد على الخطاب القديم للقومية العربية الراديكالية والحصرية، وعلى الثبات في الخطاب والنضال ضد الإمبريالية وضد الدعم الغربي لإسرائيل، وعلى مزيج من الاشتراكية المركزية وسيطرة الشركات ورأسمالية المحسوبيات، وعلى هيكلية سلطة تسيطر عليها وتحتكرها جيوش انقلابية وأزلامها.


إذا كانت المعالم البديلة للدولة العربية الجديدة لا تزال مبهمة، يشرح موت هذه الشرعية، من جملة أمور أخرى، لماذا أُسقِطت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن وربما سوريا أولاً وبالطريقة الأعنف، في حين أن الأنظمة الملَكية بأشكالها المختلفة لا تزال بمنأى نسبياً (إنما إلى متى؟) عن الموجة.


ما زال يجب تحديد المتنافسين على السلطة بعد الثورة وتعريفهم، على الصعيد الأيديولوجي كما على مستوى الممارسة السياسية. لا شك في أن الإسلام السياسي سيكون مصدر وحي أساسياً. لكن هنا أيضاً، التناقضات موجودة: سوف تؤيّد القوى الكلاسيكية من طراز "الإخوان المسلمين" مزيجاً من الليبرالية الاقتصادية والمحافظة الاجتماعية المتشدّدة والبراغماتية السياسية، لكنها ستواجه تحدّياً من اليمين يقوده منافسوها السلفيون، ومن اليسار يقوده معارضوها الليبراليون-التقدّميون.


الأمر الأكيد في خضم هذا كله هو أن دول ومجتمعات ما بعد الثورة ستكون، لفترة على الأقل، أكثر تطلّعاً نحو الداخل وأكثر تركيزاً على المسائل المحلية منها على المشكلات الخارجية الأوسع. وفي هذا الصدد، كان من المثير للاهتمام أن نحاول الإصغاء، أبعد من هدير الشارع العربي العام الماضي، إلى ما قيل حول الموقف تجاه العالم، وتجاه الغرب تحديداً. إذا أمكن إيجاد قاسم مشترك واحد بين الثورات والانتفاضات المتباينة التي عصفت بالمنطقة من المغرب العربي إلى الخليج العربي، فهو يُختصَر بكلمة واحدة: "الكرامة".


ارتبط شعار "الكرامة" الذي رُفِع في الشارع العربي، على الرغم من بساطة التعبير، بمجموعة من المسائل تراوح من الحقوق الفردية وصولاً إلى مطالبة الشعوب بالتحكّم بمصيرها الجماعي واستعادة دورها ومكانتها في المنظومة الدولية. لقد قضت الثورات العربية على مفهوم قائم منذ وقت طويل، ويتمثّل في التأثير والسلطة المطلقَين اللذين تمارسهما إرادة القوى الخارجية على الديناميات في المنطقة. قد يكون من السابق لأوانه بعض الشيء تأكيد الأمر، إلا أنها ليست مجرّد صدفة أن سلسلة الثورات العربية أطلقت، من جملة ديناميات أخرى، تحوّلاً في توازن المنظومة الدولية وأرست الأرضية لعودة نوع من المناخ شبيه بمناخ الحرب الباردة.


ينبغي أن لا ننخدع: ما يُسمّى الآن "الثورة العربية" سوف يكون سلسلة طويلة الأمد من التغييرات والتحوّلات، ما زال معظمها غير قابل للتوقّع حالياً. قبل أن ينقشع الغبار في مختلف أنحاء المنطقة، ولفترة تزيد عن عقد، ستبقى الفوضى سمةً بنيوية. ولن تكون أبداً عمليّة سلسة تسير في خط مستقيم، بل سيكون الطريق مليئاً بالمطبّات والتعرّجات حيث غالباً ما يترافق التقدّم مع تراجع موازٍ. لذلك، يعتبر المحلّلون والمراقبون المعنيون بشؤون المنطقة أنه يجب التعامل مع ما حدث حتى الآن على أنه أكثر من مجرد دش من المياه الباردة. إنه حدث تاريخي يجب أن يحفّز مراجعة عميقة لنماذجنا المفهومية واختراع أدوات تحليلية جديدة.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة