الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيار ١٧, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
الانتخابات الجزائرية - محمد الأشهب

ليس مثل الشعب الجزائري من اكتوى بنار الفتنة وحروب الاستئصال وتداعيات سنوات الجمر. بهذا المعنى لم تكن الجزائر استثناء في التأثر بعدوى الربيع العربي بقدر ما كانت تصغي إلى أنينها وتتأمل في تجربتها المريرة التي أفقدتها الثقة في كل شيء، عدا القدرة على بلورة معالم استقرار يصون الحق في الحياة وفي الاختلاف ومن دون أن يفقد أحد صوابه.
 
بكل المقاييس والتطورات لم تكن الانتخابات الاشتراعية الشهر الجاري مثل سابقاتها في مطلع تسعينات القرن الماضي. يوم اختارت المؤسسة العسكرية صانعة السياسة والرؤساء أن تتدخل لتحويل انتصار التيارات الإسلامية إلى هزيمة. ومن وقتها بدا أن البلاد التي أصبحت بمثابة حقل تجارب لن تكون هي نفسها مهما كانت نتائج صراع السلطة.
 
وإذا كان من إنجاز يسجل للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة باعتباره أول رئيس مدني يقود البلاد في معادلة وفاقية لم تلغ دور المؤسسة العسكرية ولم تتركها تستأثر لوحدها بالقرار فهو أنه صاغ رؤية أقرب إلى الواقعية والأمل بهدف تجاوز هفوات الماضي القريب.
 
ولو أن المصالحة لا تكتمل من دون قراءة نقدية تضع المسؤولية على كاهل المتورطين.
 
إنقاذ الجزائر كان الحافز والأصل. وليس مثل الاستقرار أهمية في بلد عانى من أقصى درجات الانفلات والصدام وهدر الأرواح. لذلك يصح الاعتقاد في أن الانتخابات الاخيرة وما سبقها من استحقاقات على طريق التطبيع مع الممارسات الديموقراطية، مكتملة كانت أم ناقصة، كانت تروم في المقام الأول فتح صفحات جديدة من تمارين صعبة ومستعصية.
 
كان يكفي جذب الجيل الصاعد من الجزائريين الذين فتحوا عيونهم على مسلسلات التفجيرات وأشكال التقتيل المريع إلى مربع المشاركة في خطوات بناء الثقة، بصرف النظر عمن يحوزها، أكان من جبهة التحرير أو تحالف داعمي الحكومة أو التيارات الإسلامية أو مكونات القبائل وغيرها. ولعل مجرد انصرام عقدين أو أقل على أحداث العنف يعكس جانباً من الصعوبات التي تواجهها التجربة الجزائرية، كون انتخاباتها تستمد أهميتها من الحال الجزائرية أكثر مما ينسحب عليها تداعيات الوضع الإقليمي والعربي. ذلك أن تاريخ الجزائر الحديث يبدو خليطاً من نزعات تثبيت الهوية وتجذير الانتساب إلى المحيط التي تكالبت قوى استعمارية على محاولات إبعادها عنه.
 
الأصل في التطورات التي عرفتها الجزائر وهي تخطو في اتجاه الانفتاح على التعددية واقتصاد السوق والإفادة من التحولات الفكرية والاجتماعية أنها كانت مؤلمة في مثل سرعة الانتقال من وضع إلى آخر. إذ يحدث الصدام أو الارتطام بالواقع. لذلك يصعب تقويم الاستحقاقات الاشتراعية الأخيرة بمعزل عن ارتدادات ذلك الانتقال بخاصة لدى إلقاء نظرة على الماضي الذي ما زال بعض أطيافه يطل من بين الشقوق. وبالقدر ذاته يصعب الإقرار بأن الجزائر ستبقى بمنأى عن رياح التغيير.
 
هل صوت الجزائريون من أجل الاستقرار أم التغيير أو محاولة الجمع بينهما؟ في أي حال فإن إغراء التغيير يكون ملازماً لأي استحقاق. والأكيد أن الأحزاب أو التيارات التي تعرض أجوبة مقنعة وواقعية وعقلانية في إدارة الشأن العام تكون أقرب إلى إرادة الناخبين. يحدث هذا في الديموقراطيات التي يصبح فيها السلوك الانتخابي حقاً وواجباً لا تطاوله الشكوك.
 
غير أن في بعض التجارب يصوّت الناخبون ضد مظاهر الأزمات وغياب الاستقرار، أي أنهم يتخذون من حق التعبير عن الإرادة وسيلة لردع المتمادين في اللعب بالأزمات. قد يفعلون ذلك لترجيح كفة طرف ضد الآخر. وقد يختارون أسوأ الأضرار من بين ما هو أكثر سوءاً. إلا أن الأهم أن حجم المشاركة يحدد معالم ميول الرأي العام، أكان ذلك من خلال تزايد الإقبال على صناديق الاقتراع أو الإحجام عنها احتجاجاً وعقاباً.
 
الناس لا ينفقون أصواتهم هدراً. وكلما جاءت نتائج الاقتراع منسجمة مع خياراتهم، كلما زاد الوعي بأهمية المشاركة كمظهر حضاري يصوغ الأسس المتعارف عليها في التداول السلمي على السلطة. وعكس ذلك يحدث إذ تأتي النتائج بغير التطلعات. بيد أن الأهم أن إشكالات الديموقراطية لم تعد مطروحة بوازع هل تكون مفروضة أو مستوردة أو تنبع من صميم خصوصيات الشعوب.
 
انتهى الجدال بالإقرار أن لا بديل من حكم الشعوب لنفسها بنفسها. وبالنسبة للجزائر تحديداً بقي السؤال: إلى أي مدى تساعد الانتخابات الأخيرة في المضي قدماً على طريق تكريس هذا التحول؟ الأمر متروك لإرادة الجزائريين الذين لا يجب إغفال أنهم ذهبوا إلى صناديق الاقتراع بحثاً عن الاستقرار. لكن من قال إن التغيير ليس عنوان استقرار؟


 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
انطلاق «تشريعيات» الجزائر اليوم وسط أجواء من التوتر والاعتقالات
بعد عامين من اندلاعه... ماذا تبقى من الحراك الجزائري؟
لوموند: في الجزائر.. انتخاباتٌ على خلفية القمع المكثف
انتخابات الجزائر... الإسلاميون في مواجهة {المستقلين}
انطلاق حملة انتخابات البرلمان الجزائري وسط فتور شعبي
مقالات ذات صلة
فَراغ مُجتمعي خَانق في الجزائر... هل تبادر النُخَب؟
الجزائر... السير على الرمال المتحركة
"الاستفتاء على الدستور"... هل ينقذ الجزائر من التفكّك؟
الجزائر وفرنسا وتركيا: آلام الماضي وأطماع المستقبل - حازم صاغية
الجزائر بين المطرقة والسندان - روبرت فورد
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة