|
ليس من الضروري أن تتفق توجهات النخب السياسية مع السلوك التصويتي للجماهير التي تحرك طاقاتها السياسية عوامل متداخلة. وقد استطاعت جماهير الشعب بسلوكها الفعلي ان تلقن النخب السياسية درساً بليغاً في اهمية تكامل الخطاب السياسي.
فلنتفق أولاً على أنه في أي مجتمع سياسي هناك نخب متعددة لها توجهات إيديولوجية متباينة، وهناك أيضاً جماهير حاشدة لشرائحها رؤى سياسية مختلفة. والنخب في مجتمعنا متعددة، ولكل فئة منها رؤية للعالم قد تختلف عن رؤية الفئات الأخرى. ولو عرفنا الرؤية للعالم بأنها النظرة الى الكون والمجتمع والإنسان، لأدركنا كم التباينات التي يمكن أن توجد بين رؤى فئات النخب المختلفة.
وبعيداً عن هذه التعريفات النظرية المجردة، يمكن لنا أن نتحدث عن محورين أساسيين يمكن وفقاً لهما تصنيف النخب السياسية و الجماهير أيضاً. المحور الأول يتعلق بالتوزع بين الاتجاهات اليمينية والاتجاهات اليسارية مروراً بالاتجاهات الوسطية.
والمحور الثاني يتعلق بالتفرقة بين رؤية علمانية للعالم تؤمن بالفصل بين الدين والدولة، وتقوم على أساس الثقة في قدرات الإنسان على حل مشكلاته بنفسه. ورؤية دينية تنظر الى المجتمع من زاوية الدين الذي يمكن أن يكون أساساً لكل المشكلات.
غير أنه بعد ثورة 25 يناير يمكن أن نضيف محوراً بالغ الأهمية هو محور أنصار النظام القديم الذي أسقطته ثورة 25 يناير، ومحور الثورة الذي يريد الانقلاب على الأوضاع الراهنة، وبناء ديموقراطية جديدة تعبر عن الإرادة الشعبية، ومجتمع مؤسس على قواعد العدالة الاجتماعية، واحترام الكرامة الإنسانية.
في ضوء هذه التقسيمات والمحاور كيف يمكننا أن نفسر نتائج انتخابات رئاسة الجمهورية المصرية التي تنتظر جولة الإعادة بين المرشحين اللذين حصلا على أعلى الأصوات؟ بداية يمكن القول أن الملاحظة التي ينبغي أن نتوقف أمامها طويلاً هي التطابق أحياناً بين توجهات النخبة وسلوك الجماهير، والاختلاف الشديد أحياناً أخرى بين اتجاهات نخب معينة وسلوك الجماهير بوجه عام. فلنتأمل المؤشرات الأولية لنتائج الانتخابات بعين فاحصة.
حصل الدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان المسلمين على 24.8% من الأصوات، يليه - وكانت هذه هي المفاجأة الكبرى- أحمد شفيق الذي حصل على 23.9% من الأصوات، وبعد ذلك يأتي حمدين صباحي- وتلك مفاجأة أخرى- الذي حصل على 20.5% من الأصوات، وبعد ذلك عبد المنعم أبو الفتوح الذي حصل على 17.4% من الأصوات، وأخيراً عمرو موسى وحصل على 11.2% من الأصوات.
كيف نفسر هذه النتائج؟ أولاً حصول مرسي على 24.8% من الأصوات يكشف عن كفاءة لا شك فيها لماكينة الإخوان المسلمين في الحشد والاصطفاف وراء مرشح الجماعة في ضوء مبدأ السمع والطاعة، والالتزام الدقيق بالأوامر. ولكن النسبة تكشف عن انصراف جماهير متعددة عن جماعة الإخوان المسلمين سبق لها أن صوتت لها في الانتخابات التشريعية.
ومعنى ذلك أن صدقية الجماعة- بحكم أدائها السياسي السيئ والذي تركز على "التكويش" على كل مؤسسات الدولة - انخفضت بشدة، وهكذا حدث الفراق بين توجهات النخبة الإخوانية والسلوك التصويتي للجماهير حتى تلك المتعاطفة مع الجماعة.
وهذا هو الدرس الأول. بمعنى أن قوة النخب في حشد الجماهير محدودة بحدود صدقية النخبة في أدائها السياسي الفعلي، وليس في ضوء خطابها السياسي المعلن والذي يكون فارغاً من المضمون. ونأتي لمفاجأة الصعود غير المتوقع لأحمد شفيق. من الواضح أن جماهير متعددة لم تلق بالاً للتهم الجزافية التي وجهت له بأنه من "الفلول" وأنه إن فاز بالمنصب الرفيع فإنه سيعيد إنتاج النظام القديم بكل سلطويته ومفاسده السياسية والاقتصادية. لقد استمعت الجماهير – في ما يبدو - جيداً للرسالة الأساسية لأحمد شفيق: "لو فزت فإنني سأحقق الأمن والاستقرار في المقام الأول". ويبدو أن الجماهير العريضة التي أعطت صوتها له تواقة لهذا الأمن وراغبة في الاستقرار، وهي لذلك لم تقبل توجهات وسلوكات العديد من الائتلافات الثورية التي اسرفت في تنظيم التظاهرات والمليونيات بسبب، وبدون سبب، الى درجة أنها تحولت طقوساً سياسية غير عقلانية، ولا تهدف في المقام الأول للمصلحة العامة، بقدر ما هي لاشباع لحاجات نفسية لدى من يقومون بها لتأكيد أنهم قادرون على تحريك الشارع السياسي في أي لحظة وكأنه أداة في أيديهم يمكن أن يحركوهم كيفما شاؤوا وفي أي وقت.
أما النتيجة الرائعة التي حققها حمدين صباحي فهي زاخرة بالدلالات. هنا في هذه الحالة تطابقت توجهات نخب سياسية متعددة مع السلوك التصويتي للجماهير.
والسؤال كيف استطاع صباحي الذي لم تعط له استطلاعات الرأي المتعددة أسبقية على عمرو موسى أو عبد المنعم أبو الفتوح، أن يحصد أكثر من أربعة ملايين صوت، وأن يكون الأول في القاهرة والإسكندرية ومحافظات أخرى.
هذه حالة مثالية للتطابق بين توجهات النخبة والسلوك التصويتي للجماهير. حمدين صباحي بحكم تاريخه الشخصي كمناضل سياسي صلب منذ عهد الرئيس السادات مروراً بعهد الرئيس السابق مبارك وحتى الآن، رمز للنضال السياسي والالتزام الأخلاقي بقيم ثورة 25 يناير. هو رمز بارز لمرشحي الثورة، وهو علامة أيضاً على رفع شعار العدالة الاجتماعية والذي كان مكوناً أساسياً من مكونات برنامجه الانتخابي. ولعل شعاره الانتخابي الأخاذ "واحد منّا" علامة على أنه جاء من أوساط الناس، ولم يقفز على الساحة السياسية من علٍ!
يبقى تفسير حالة عبد المنعم أبو الفتوح الذي أعطته استطلاعات الرأي العام مكانة متقدمة للغاية، الى درجة أنها أجمعت تقريباً على أنه سيكون في مقدم من يخوضون انتخابات الإعادة.
ويبدو أنه دفع ثمن خطابه المزدوج، لأنه في البداية كان ممثلاً للإسلام الوسطي واستطاع اجتذاب نخب سياسية ليبرالية وحتى يسارية، غير أنه في نهاية حملته مال الى مفهوم "الدولة الدينية" حينما ركز على أن برنامجه يتضمن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وليس مبادئها فقط كما تقضي بذلك المادة الثانية من الدستور. وكان ذلك سعياً منه لاجتذاب شباب الإخوان المسلمين وأساساً السلفيين الذي وعدوا بتأييده.
وتبقى حالة عمرو موسى والذي أعطت له كل استطلاعات الرأي مكانة متقدمة، لأنه كان رمزاً لرجل الدولة الجاهز لإدارة البلاد بحكم خبراته المتعددة وصلاته المعروفة بزعماء العالم عموماً، وزعماء العالم العربي خصوصاً.
ولكن يبدو أن الجماهير لم تقتنع بأن الخبرة وحدها مهما كانت متميزة كفيلة بأن تعطيها أصواتها ولذلك فضلت الجماهير الإخوانية تأييد محمد مرسي في حين أن الجماهير الثورية انحازت الى حمدين
صباحي، باعتباره رمزاً لمرشحي الثورة وعلامة على أهمية تحقيق العدالة الاجتماعية.
وهكذا يمكن القول إن توجهات النخب السياسية ليس من الضروري أن تتفق مع السلوك التصويتي للجماهير التي تحرك طاقاتها السياسية عوامل متنوعة متداخلة.
وأياً ما كان الأمر فإن جماهير الشعب استطاعت بسلوكها الفعلي أن تلقن النخب السياسية درساً بليغاً في أهمية تكامل الخطاب السياسي، وقبل ذلك القيمة العليا لصدقية السلوك الفعلي الذي يصوب نظره الى مصالح الجماهير العريضة!
باحث مصري
|