الأثنين ٢٣ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: تموز ١٨, ٢٠١٢
الكاتب: زياد ماجد
المصدر: nowlebanon.com
فرع فلسطين

تجمع المعاناة المباشرة من النظام السوري ثلاثة شعوب في المشرق العربي. الشعب السوري أوّلاً، والشعب الفلسطيني ثانياً، والشعب اللبناني ثالثاً. على أن معاناة الشعب الفلسطيني لها معنى خاص، أو بالأصحّ مدلولات خاصة. ذلك أنه بِاسم قضية هذا الشعب جرى سجن الشعوب الثلاثة.
 
فقانون الطوارئ ومنع الأحزاب والسطو على الدولة والمجتمع وحماية "الخاصرة الرخوة" والتصدي لمشاريع الاستسلام جميعها تمّت إنطلاقاً من مقولة "أولوية القضية الفلسطينية". وحروب مخيّمات لبنان ارتبطت بالأولوية إياها، تماماً كما ارتبطت بها التوقيفات والقهر في مخيّمات سوريا. ويكفي أن يكون واحد من أبشع فروع التعذيب في دمشق مسمّى "فرعَ فلسطين"، ليفهم المرء العلاقة العضوية التي انشأها نظام الأسد بقضية التحرّر الفلسطيني، إذ حوّلها الى سجن مادي مظلم من جهة، والى معتقل رمزي قاتم من جهة ثانية. في الأول، يكدّس معارضيه السياسيين، سوريين وفلسطينيين، ويسِمُهم بالخيانة ومعارضة قضيته "المركزية" فيعاقبهم بالتعذيب والتحقير. وفي الثاني، يُسدل لغة ومصطلحات على العقول، تلجم باللغو الممانع خصومه وتعاملهم بوصفهم "أعداء فلسطين" وأعداء رايتها المعتمَدة علماً للبعث.

 

هكذا يُنشئ النظام شبكات تدجين واغتيال للحريات وتكريس لطغيان عنوانها "فلسطين"! حتى إذا نهض لتحدّيه أحد، أخرج من دُرج اجتماعاته الأمنية مضبطة الاتّهام الجاهزة، وشهرها ضدّ من "سوّلت له نفسه التآمر على فلسطين" ثم زجّ به في "فرع فلسطين".

 

وهكذا أيضاً، وضع النظام برنامجاً كاملاً صار هوية لممانعين (ممّا هبّ ودبّ)، يردّدونه عن ظهر قلب، محوره تبرير كل موبقاتهم بحجة فلسطين، وقراءة العالم بأسره (نِفاقاً أو بلاهةً) بوصفه عشّ مكائد ودسائس تستهدفهم لأنهم الناطقون – مثل نظامهم - بِاسم فلسطين.
 
وقد استمّر البغي هذا طيلة عقود أربعة، حتى إذا اندلعت الثورة السورية، منشدة الحرية والعدالة، رفع النظام وحلفاؤه الممانعون السيف إياه في وجهها، ظانّين أنه رادع. لكنّهم بوغتوا هذه المرة واكتشفوا أن الأوان قد فات، وأن صلاحية السطو والفجور انتهت. ففرع فلسطين لم يعد يرعب كثراً، ومخيمات اللاذقية ودرعا وحمص كما مخيمات دمشق وسائر الحواضر السورية تماهت مع جوارها، وأسقطت بأسابيع معدودة، سنوات من الرياء والوضاعة...
 
واليوم، ها هي الثورة تصدّع جدران "فرع فلسطين" ذاته. وها هم السوريون (والفلسطينيون) ينتشلون الضوء من بين زنازينه. وغداً حين ينهار، سيمرّ أمامه عشرات الألوف ممّن خلّفوا نتفاً من أعمارهم فيه، وسيبنون على أنقاضه متحفاً لذاكرة جميع من نُهبت سنواتهم وآمالهم، وخُنقت أصوات أمّهاتهم على الأرصفة وخلف مواقف الانتظار الطويل...

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
إقرأ أيضا للكاتب
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
فلسطين العصيّة على الممانعة والتطبيع
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
عن بكركي والمعارضات اللبنانية
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة