|
الدعوة ملحة اليوم الى الثورة السورية للوقوف في مواجهة الأجندة الإعلامية للنظام والكشف عن الصورة الحقيقية لوجه الطائفة العلوية.
ما ابتليت طائفة من الطوائف الإسلامية، كما ابتليت الطائفة العلوية العربية الإسلامية، يقول منير الشريف (العلويون من هم وأين هم؟ ص 3): فمنذ تاريخها القديم كانت قد سلقتها الألسن الحداد، وحامت حولها الظنون فأخرجها بعضهم عن قوميتها العربية وجعلوها من أمم شتى، فقالوا: هم من بقايا الفينيقيين والرومانيين والحثيين واليونانيين والصليبيين... ومنهم من اقصاها عن الدين الإسلامي، فقال: إن اسم النصيرية، قد أتى من اسم النصرانية. أي أن العلويين ليسوا من الطائفة الإسلامية. بل طائفة ضمتها أسوار الانحطاط. فلا يمكن أن تنهض للعلم، وليس في الإمكان اشتراكها مع العرب في النهضة الحديثة، والجامعة القومية والازدهار الاقتصادي. ومن الصعب تعويدها الطاعة والنظام وهذا بعض ما يتحدث به فريق من الناس في الشرق والغرب، يقول منير الشريف.
ويعلق كاتبنا على ذلك فيقول: "وحيث إنني عشت بين هذه الطائفة عدة سنين، وتجولت في كل أطراف محافظة اللاذقية، ودرست حالة العلويين عن كثب، وصادقت رجالهم وخبرتهم. رأيت الواجب يدفعني لأبعد عن هذه الطائفة الشبهات، والترهات، والظنون، واطلع الناس على الحقيقة". ويقول الشريف: "إنها فئة عربية الدم واللسان والخصائل والغاية. وإسلامية كبقية الطوائف الإسلامية، كتابها القرآن الكريم. وأنها رغم ما نزل بها من البلايا والرزايا الشعوبية، ما تزال مرتبطة بالعروبة والإسلام، رافعة راية العربية على جبالها الشماء، وعلى ساحل بحرها اللازوردي، منذ رفعها العرب في كل مكان، تخدم الحقوق وتحافظ على التربية العربية الطيبة، وتسير بسرعة إلى الأمام، لتتبوأ مقامها في دنيا العرب".
كتب منير الشريف ذلك عن العلويين في محافظة اللاذقية جغرافياً وقد كان محافظاً عليها عام 1946. فتحدث عن مساحتها وأنهارها وأراضيها وأهلها واقتصادياتها، ورحلات العرب خصوصاً، الذين تسموا بالعلويين، مؤخراً إليها، وسكناهم فيها. وتحدث أيضاً عن مذهب العلويين المنبثق عن المذهب الشيعي الإسلامي. وكذلك عن الحياة العشائرية للعلويين وعن رؤساء العشائر ورجال الدين وتأثيرهم. وأفرد فصولاً لعادات العلويين: في استقبال ضيوفهم، ومأكلهم وملبسهم وسمرهم وفرحهم وزواجهم وتربية أولادهم، وزينتهم وأعيادهم، وقراهم ومساكنهم. وبحث عن أخلاقهم ووطنيتهم وشجاعتهم ونشاطهم وذكائهم، تراث آبائهم العرب الأوائل كما يقول.
ومن المثقفين العلويين من تنبه مبكراً لتتبع وجود العلويين في لبنان عامة وطرابلس خاصة. لأن المؤرخين القدماء والمحدثين، لم ينصفوا هذه الطائفة كما يقول. ونراه يحمل على مؤرخ طرابلس الدكتور عمر تدمري فيقول عنه في كتابه "تاريخ طرابلس" بأنه "يحلق في البحث عن معالم طرابلس وآثارها وعن قلعتها وأبوابها، ويطل علينا عابراً". وقد صور تضايقه منه، لأنه، كما يرى، لم يعط الطائفة العلوية في لبنان عامة وطرابلس خصوصاً حقها من البحث (ص 8)، ويقول أيضاً أنه في هذه "العجالة الصغيرة نود أن نكشف بعض الملابسات التي لا زالت عالقة في أذهان الكثيرين ممن تهجموا على العلويين، وشنوا عليهم مختلف الحملات والتجنيات التي كانت في حقيقتها سياسية لا دينية، ونثبت لهم أن العلويين قديمون في هذه البقعة (طرابلس وعكار)".
والواقع أن العلويين، جعلهم قدرهم في مطلع القرن العشرين، في وضع طبقي صعب، رزحوا تحته وكابدوا الفقر والجوع والحرمان. وحال بينهم وبين المشاركة في الحياة السياسية السورية واللبنانية. وخصوصاً في فترة الديمقراطية الذهبية، التي عاشتها سوريا وعاشها لبنان في مطلع الخمسينيات. وقد كان من العلويين رجال كبار في السياسة والأدب والفكر والإسلام والعروبة كما كان منهم أيضاً رجال كبار في التحرير والتحرر والثورة على الاستعمار، والدعوة إلى اقامة الدولة الوطنية في لبنان والدولة الوطنية في سوريا، دون التنكر مطلقاً وتحت كل الظروف إلى إرثهم التاريخي الثوري والعربي والإسلامي.
وكتب علي ملحم وهو كاتب سوري معروف تحت عنوان "العلويون والثورة السورية": "إن معتقلي الطائفة العلوية يشكلون النسبة الأكبر بعد معتقلي أهل السنة في سجون نظام الأسد" (الحياة 4/7/2012، ص 10). ويتابع عرض تجربته: "ففي فرع التحقيق التابع للمخابرات الجوية، والذي قضيت فيه ما يقارب 3 أشهر، اجتمع في أحد الممرات حوالي الستين معتقلاً في غرفة واحدة، كان بينهم ستة علويين. أي ما نسبته 1/14. في حين لم يوجد سوى معتقل إسماعيلي واحد ومعتقلين اثنين من الطائفة المسيحية. وهذه النسبة تتوافق مع المراقبين للشأن السوري، عندما يروج أن أبناء الطائفة العلوية هم من الشبيحة". وبحسب علي ملحم، أن النسبة الأكبر من الشبيحة، هم من أبناء الطائفة السنية ويتحدث عن شبيحة النظام في قرية القمحانية (200) وهم من السنة وعن شبيحة حلب من آل بري وهم من السنة وعن شبيحة دير الزور والمنطقة الشرقية.
ويقول أيضاً إن اصطفاف العلويين إلى جانب النظام الأسدي سببه تضليل إعلامي روجه النظام نفسه، حين كان يتحدث ولا يزال عن تعرض أبناء الطائفة العلوية تاريخياً للاضطهاد والمذابح والتهجير بعمليات قام بها أهل السنة. رغم أن تاريخ المنطقة لا يذكر ذلك. بل إن العثمانيين حاربوا الأقليات بشكل عام. وليس كل ما فعله عثمانيو الأستانة يتحمل وزره سنّة سوريا ولبنان، إلا بالدعاية والإعلام لأبواق النظام.
ويذّكر ملحم بقمع كل أشكال المعارضة في سوريا ولبنان في التسعينيات. وقتل الكثيرون من رجال الطائفة العلوية الكبار، من سياسيين وأهل الدعوة والدين، لأنهم كانوا من المعارضين. واستبدل النظام الشباب العلوي المعارض، بالشباب العلوي الموالي. وصعّد في السياسة والطائفة، قادة من المخابرات ورجال الأمن وضباط جيش، تقاعدوا أو أشرفوا على التقاعد. وأولاهم الاستتار بالتعاليم الدينية، فصاغوها حسب أهوائهم وأخذوا بتلقينها للشبيبة الناشئة. فشكلوهم، كما يقول، "وفق بنية تمازج فيها الطابع الأمني المخابراتي مع الواجب الديني والتقديس لرجالات نظام الأسد"، طبقة من الشيوخ الشباب الجدد.
لهذا كانت الدعوة اليوم ضرورية، لأن تقف الثورة السورية في مواجهة الأجندة الإعلامية للنظام السوري، المشبعة بالتضليل والكشف عن الصورة الحقيقية لوجه الطائفة العلوية التاريخي. وقد كانت على مر الحقب التاريخية من نسيج المجتمعين السوري واللبناني. وكان العلويون إلى جانب السنة والمسيحيين والدروز والإسماعيليين والأكراد والشيعة، صفاً واحداً في مواجهة الاحتلال أو في مواجهة الاستبداد، أينما وقع، وفي أي زمان وقع، ولو أن العلويين اليوم منحرجون أكثر من غيرهم بالنظام السوري.
استاذ في الجامعة اللبنانية |