الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ٧, ٢٠١٢
الكاتب: زياد ماجد
المصدر: nowlebanon.com
سوريا إذ تتأسّس بالدهشة

يمكن الجزم بأن أبرز انفعال عاطفي يرافق السوريين ومتابعي الشأن السوري منذ  17شهراً هو الدهشة.

دهشة اكتشاف البلاد وناسها. دهشة التساؤل اليومي أمام مشاهد المظاهرات والاعتصامات: "هل يُعقل أننا لم نكن نعرف هؤلاء الناس؟" دهشة الوقوف على المواهب الخارقة سخرية وفنّاً وإبداعاً: "أين كان فنّانو اليافطات السياسية طيلة السنوات الماضية؟ ومن هم هؤلاء الذين يصمّمون الشعارات والملصقات وأولئك المشرفون على صفحات الفايسبوك ومواقع الانترنت؟ وكيف انتشرت فجأة ظاهرة الصحف والنشرات التي تصدر في مدن أو بلدات صغيرة وفيها مقالات وتقارير بجودة عالية؟ ومن درّب آلاف الشبّان على التصوير والإخراج والبث الإلكتروني المباشر؟ ثم أين كانت تختبئ كل هذه المثابرة وهذا النفس الطويل في قرى لم يكن أكثر السوريين يعرفونها على الخارطة؟ وكيف ظهرت مبادرات التضامن التي يُطلقها منذ فترة مواطنون للتخفيف عن المهجّرين واللاجئين من المناطق المنكوبة؟"
 
يمكن بالطبع للبحث السوسيولوجي أن يقدّم بعض الأجوبة، ويمكن للمقارنة بين حالات ثورية في ظل أنظمة استبداد دموية أن تحمل زاداً نظرياً يساعد على فهم الظروف التي تدفع الى تفجّر طاقات شعبية هائلة في ظروف مشابهة. ويمكن أيضاً لبعض الناشطين ممّن صاروا على تماس يومي مع الناس ومع مجموعات العمل في أكثر من مكان داخل سوريا أن يتحدّثوا عن تجاربهم وعمّا تعلّموه منذ عام ونصف.

 

كما يمكن للبحث السياسي أن يتوقّف عند دلالات المفارقة الصارخة بين كمّ الابداعات الشعبية والمواطنية  وضآلة الإنتاج البرنامجي (بالمعنى السياسي) المنظّم وعجز المكوّنات السياسية المؤيّدة للثورة عن مجاراة "الجمهور" في إدهاشه لنفسه ولها ولجميع المراقبين. فهذا أصلاً واحد من تجلّيات التشظّي المجتمعي الذي يُحدثه الاستبداد والذي ينهيه الثوّار (وجلّهم من بنات وأبناء الجيل الجديد).

لكن البحث والتفسير لا يخفّفان من وقع الدهشة الدورية ولا يغيّران من كونها أبرز عنصر انفعال يجمع المتابعين للثورة وكثراً من المنضوين في صفوفها.
 
لذلك، تبدو الدهشة السورية تأسيسيةً أو جزءاً من انفعال معمّم يرافق اكتشاف أفراد "المجتمع" لبعضهم بعد عقود من التوحّد. وتبدو أداةً لعبور جدران الريبة والخوف التي حطّمت الروابط بين الناس.

لكنها، ككل عاطفة واكتشاف لا تكفي لبقاء اللُحمة والتماسك بعد انتهاء مفعولها. فإن كانت سوريا تتأسّس اليوم بها، إلا أنها ستحتاج في المستقبل القريب لأمور كثيرة غيرها. وهذا ما يرُجى أن يحاول "المدهوشون" التركيز عليه، وقسم منهم قد بدأ بذلك فعلاً...

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
إقرأ أيضا للكاتب
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
فلسطين العصيّة على الممانعة والتطبيع
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
عن بكركي والمعارضات اللبنانية
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة