الثلثاء ٢٤ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ٩, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
المسيحيون السوريون - سلام الكواكبي

من الملفات التى تتلقفها وكالات الأنباء وخارجيات الدول "المعنية" عندما يتم التطرق إلى الشأن السوري، يبرز ملف الأقليات الدينية إلى الواجهة كقميص عثمان يؤخّر من ضرورة وضوح الموقف وتحديد السياسات.
من تصريحات كلينتون حول ضرورة تطمين الأقليات فى أية عملية تحوّل سياسي نحو الديمقراطية إلى تهديدات لافروف المتعلقة بحماية المسيحيين إلى التصريحات المتناقضة من جانب الفاتيكان التى تشير حيناً الى القلق حيال مصير المسيحيين بعد تغيير النظام وفى أحيان أُخرى، تنفي تعرضهم إلى أية إساءة من قبل دعاة الحرية. ونجد أن تصريحات بعض ممثلي الكنيسة الرسميين المعينين بموافقات أمنية تغذي هذه المخاوف بل وتؤجج الشعور بأن الخطر آتٍ لا محالة ويجب نصرة الظلم والاستبداد لأنه يحمي الأقليات.


ربما تأخرت المعارضة السياسية بإنتاج نصوص واضحة عن مستقبل مشترك لجميع السوريين وتخصيص الأقليات بعبارات مطمئنة. ويبدو أن الخيار كان بالتوجه إلى المواطن السوري وليس إلى المسيحي السوري أو العلوي السوري إلخ. وقد توضّح هذا الخطاب الآن فى الأدبيات السياسية لقوى المعارضة حتى الديني منها. وتجدر الإشارة إلى بعض ممارسات جزء من الحَراك العسكري المساعدة على تغذية آلة التخويف من مستقبل غير مستقر سيتعرض له من هو ليس على دين "الغالبية".


ولم يعد من المفيد استعادة الماضي المجيد والذي يُشير إلى بروز أسماء مسيحية فى الحقل العام دون تمييز للدلالة على إدارة المجتمع السوري الفطرية للتنوع. لقد أصبحت هذه الاستعادة مستهلكة فى زمن معقد يحمل الكثير من المعطيات الجديدة المتعلقة بإدارة هذا التنوع من قبل أنظمة استبدادية استقطبت ممثلي جميع الأديان واستغلت الانقسامات وعززتها وطورت التطرف وأصّلته. في المقابل، يجب على من يراقب المشهد السوري أن يتعرف عن قرب على تاريخه السياسي الحديث ومشاركة جميع مواطنيه فى بناء الدولة/الأمة على قصر عمرها المجهض من قبل المستبد، وبالتالي بإمكانه أن يستعرض مساهمات المنتمين إلى مختلف الأديان والطوائف فى تحقيق الاستقلاليْن عن الامبراطورية العثمانية أو عن الانتداب الفرنسي وفي تأسيس الأحزاب السياسية والصحافة والعمل المدنى.


إن تصريحات بعض رموز الكنيسة الرسميين تضع مسيحيي سوريا فى خانة الأجانب وتدعوهم إما للحياد أو إلى دعم سلطة تمارس العسف تجاه مختلف أفراد الشعب، وبمرور الأيام، تتبدى الفجوة العميقة بينهم وبين رعيتهم المعنية كما السوريين الآخرين بمستقبل هذا الوطن، كما بينهم وبين كهنتهم الذين يقومون بأعمال إنسانية جبارة تدعم بالمحصلة الحَراك الشعبى السلمي. إن السوريين المسيحيين ليسوا بحاجة إلى شهادة وطنية من أحد، بل هم مؤهلون ليكونوا من مانحيها فى الإطار المطلق، وليسوا بحاجة إلى ممثلين عنهم يسيئون إلى فرادة تجربتهم وإلى عمق اندماجهم متناسين رسالة عبدالرحمن الكواكبي لهم فى طبائع الاستبداد "دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء أعزاء".

 

أستاذ جامعي - باريس



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة