الجمعه ٢٧ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ٢١, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
هل يعاد تشكيل المشهد الأردني من دمشق؟ - ابراهيم غرابية
الموقف الأردني مما يحدث في سورية يبدو متجهاً نحو المشاركة في الأزمة بالانحياز إلى الثورة السورية والتنسيق والتعاون مع الجيش الحرّ، هذا ما ظهر في عملية انشقاق رئيس الوزراء السوري واستقبال اللاجئين السوريين وانتظارهم على الحدود، والتصدي لجيش النظام السوري مرات عدة عندما أطلق النار على اللاجئين بعد اجتيازهم الحدود السورية - الأردنية، والتصريحات الرسمية على أعلى المستويات تجاه الأزمة وما يحدث في سورية، والحراك الإعلامي والشعبي تجاه القضية السورية يظهر بوضوح أن الأردن الرسمي والشعبي يمضي في تأييد الثورة السورية والتضامن مع الشعب السوري في مواجهته مع النظام السياسي، وانقضت مرحلة التردد والازدواجية في السياسة الأردنية تجاه سورية.
 
ولكن يبدو أن التضامن مع الشعب السوري وثورته يتحول بسرعة إلى تفاعلات سياسية داخلية لا علاقة لها بسورية، فالحكومة والجماعات السياسية والاجتماعية؛ المؤيدة للشعب السوري وتلك المؤيدة للنظام السياسي تعيد إنتاج المشهد السياسي المحلي في ظل الأحداث السورية.
 
بالنسبة للحكومة فإنها تملك فرصة نادرة وتاريخية لاكتساب ثقة غالبية الأردنيين المتحمسين للشعب السوري في كفاحه ضد الاستبداد، ولحسن الحظ أيضاً فإنه موقف منسجم مع الاتجاه العربي والعالمي، ولعلها المرة الأولى التي يحدث فيها هذا التوافق بين الموقف الشعبي والاتجاه العالمي، في أزمة العراق والقضية الفلسطينية على سبيل المثال كانت الحكومة يتنازعها الموقف الشعبي والموقف العالمي، ربما تكون الحكومة متوجسة من المآلات السورية بعد رحيل النظام السياسي القائم، وتفضل سيناريوات متوقعة على أخرى، وتشعر بقلق وخشية تجاه بعض الاحتمالات والمسارات، ولكن يبدو واضحاً أنها رجحت خياراتها، وهي في ذلك تعيد صوغ المشهد الداخلي (ربما) باتجاه تضامن شعبي حكومي تجاه ما يحدث في سورية يؤجل الخلافات الداخلية، ويقلل من أولوية وأهمية أو يؤجل الانتخابات النيابية والإصلاح السياسي، وربما يكون ذلك فرصة لبناء جبهة توافق داخلي يشارك فيها الإخوان المسلمون المؤيدون للثورة السورية وبطبيعة الحال فإنهم يؤيدون الموقف والسياسة الأردنيين الرسميين تجاه سورية.
 
هذا التضامن حول قضية خارجية يريح الحكومة والإخوان المسلمين معاً، فكلاهما يفضل الانشغال بالقضايا الخارجية والآمال الكبرى والعظيمة للعرب والمسلمين، ولسوء حظهما فإن المجتمعات غير متحمسة كثيراً لقضايا البيئة ومكافحة التلوث ومواجهة التغيرات المناخية، وأضاعت علينا حكومة ومعارضات ومجتمعات فرصة عظيمة للتضامن الممكن أيضاً أن يجتذب تمويلاً ودعماً غربياً وعالمياً. وسواء أجريت الانتخابات النيابية في موعدها المفترض قبل نهاية العام أو أجلت؛ فإن الحكومة والإخوان وجدوا بيئة سياسية واجتماعية مريحة تمنحهم الثقة والتضامن الشعبي من دون مواجهة الاستحقاق الملحّ. الإصلاح في أبعاده ومستوياته التطبيقية الحقيقية، الارتقاء بمستوى الخدمات الأساسية من التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، والإصلاح التشريعي والضريبي على النحو المنشئ للعدالة الاجتماعية والاقتصاد الاجتماعي الذي تشارك فيه المجتمعات، ومراجعة السياسات العامة التي أضرت بعدالة الفرص والإنفاق العام والموارد العامة وتمكين المجتمعات من المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية، سينشغل المسؤولون الرسميون بزيارة مخيمات اللاجئين السوريين بصحبة السفراء والضيوف الأجانب، ويستمتعون في مخاطبة وسائل الإعلام بلا حرج أو عذاب للضمير أو حاجة للإنكار والنفي، وستمضي الحكومة ليلها ونهارها في توظيف اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر.
 
والإخوان المسلمون أيضاً سينشغلون بجمع التبرعات والعمل الإغاثي للشعب السوري الشقيق، والاحتفاء بذكريات ومناسبات التاريخ العطر وهي كثيرة جداً، ويقدم الإخوان مزيداً من الاكتشافات، فبعد المولد النبوي والهجرة النبوية والإسراء والمعراج صرنا نحتفل بالعهدة العمرية والفتح الصلاحي وحسن البنا، لدينا في الأردن مقامات لعشرة آلاف صحابي ولجميع الأنبياء والمرسلين يمكن أن تشغلنا لمئة سنة مقبلة! وهناك فرصة عظيمة لتتوقف الأزمة المسلية والطاحنة بين الحكومة والإخوان والتي تظهر وتصعد كلما تذكرت الحكومة أو تذكرت الجماعة فشلها وغيبوبتها.
 
والجماعات المؤيدة للنظام السوري من السياسيين المنسيين أو فئات تهيمن عليها مشاعر بدائية وخرافية بالتميز والاستهداف، وجدت في الأزمة السورية فرصة لمواجهة الانقراض والانحسار، وحتى لو كان ما تفعله رقصة الموت.
 
الثورة السورية تمنحنا الكثير الكثير!
 
* كاتب أردني



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
العاهل الأردني يكلف لجنة للإصلاح... ويتعهد تبني توصياتها ومنع التدخلات
الأردن: 18 موقوفاً بتهمة محاولة زعزعة استقرار البلاد في قضية «الفتنة»
مجلس النواب الأردني يقر موازنة البلاد بالأغلبية
العاهل الأردني: ليس مقبولاً خسارة أي مواطن نتيجة الإهمال
الأردن: توقيف 5 مسؤولين بعد وفاة مرضى بكورونا جراء انقطاع الأكسجين
مقالات ذات صلة
مئوية الشيخ المناضل كايد مفلح عبيدات
الأزمة اللبنانية والتجربة الأردنية - مروان المعشر
انتفاضة نيسان 1989: أين كنا وكيف أصبحنا ؟
حقوق المراة الاردنية 2019 - سليمان صويص
يوميات حياة تشهق أنفاسها في البحر الميت - موسى برهومة
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة