|
الخرطوم – النور أحمد النور
بعد أكثر من 23 سنة على وصول الرئيس السوداني عمر البشير الى الحكم في انقلاب عسكري، نهاية حزيران (يونيو) 1989، قام به الاسلاميون، بات استمرار النظام الحاكم بتركيبته الحالية صعباً، فقد أضاع قادة الحكم فرصاً عدة لإجراء اصلاحات سياسية بسبب التوازنات الداخلية التي لا تتيح للنظام دفع ثمن تلك الاصلاحات، اذ إنها ستكون على حساب طرف وعنصر قوة لطرف آخر، مما أدخل البلاد في حال جمود، فتعقدت مشكلاتها وضاقت فرص المناورة لحلها، وصارت مرشحة للتغيير وفق سيناريوات مختلفة. الحركة الاسلامية التي حملت البشير الى السلطة عبر الانقلاب ووأدت التجربة الديموقراطية الثالثة، انشقت على نفسها في 1999، واستقل زعيمها الروحي حسن الترابي بحزب معارض، وشهدت البلاد حينها انفراجاً سياسياً داخلياً وتحسناً نسبياً في علاقاتها الخارجية واستقراراً في الأوضاع الاقتصادية بفضل عائدات النفط، ثم اتفاق السلام مع جنوب السودان في عام 2005. غير أن المشاكسات بين شطري البلاد وتصاعد ازمة دارفور وضعت عبئاً جديداً على نظام الحكم فزادت عليه الضغوط ما أربك حساباته وحرمه من قطف ثمار السلام. وذهبت تعهدات دولية بدعمه سياسياً واقتصادياً ورفع العقوبات والحصار الاقتصادي عنه أدراج الرياح، مما قوى «صقور النظام» الذين يرون أن بعض قادة الحكم قدموا تنازلات بلا ثمن، وفي المقابل ضعف التيار البراغماتي الذي كان يريد استغلال مرحلة السلام في تطبيع الاوضاع الداخلية والتفاهم مع المجتمع الدولي لتغيير جلد النظام ومنحه عمراً جديداً بخطوات محسوبة. وجاء انفصال جنوب السودان في تموز (يوليو) 2011، زلزالاً سياسياً، وكان متوقعاً أن يعقبه احتجاج ومحاسبة للاسلاميين في الحكم لتحملهم مسؤولية التفريط في ثلث مساحة البلاد وجل مواردها النفطية والطبيعية، غير أن تحريك القضايا العالقة مع الجنوب والمتصلة بفك الارتباط من ملف داخلي الى نزاع بين دولتين، وانفجار الاوضاع الأمنية في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، المتاخمتين للجنوب واستمرار أزمة دارفور ونشوء تحالف يجمع المتمردين في المناطق الثلاث بخطاب ذي طابع عرقي واثني عطل أي خطوة نحو تغيير حقيقي، خوفاً من انهيار ما تبقى من البلاد وتمزقها. كما سعى نظام البشير الى اضعاف المعارضة وتفكيك تحالفها عبر جذب الحزب الاتحادي الديموقراطي برئاسة محمد عثمان الميرغني الى السلطة، وتحييد حزب الامة بزعامة الصادق المهدي بتعيين نجله العقيد عبدالرحمن مساعداً للرئيس، وضرب «الحركة الشعبية – الشمال» التي كانت شريكة في الحكم في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق وتحظى بثقل في الولايتين. لا بديل جاهزاً يضاف الى ذلك عامل خارجي، اذ إن ثمة دوائر مؤثرة في صنع القرار في دول غربية وخصوصاً الولايات المتحدة ترى أن انهيار نظام الحكم في السودان في هذه المرحلة ستكون له تداعيات خطيرة على الأوضاع في القرن الأفريقي والمنطقة المحيطة، وأنه لا يوجد بديل سوداني جاهز يحظى بقبول لتولي الحكم، وأن الخرطوم في حال ضعف يسهل الحصول منها على تنازلات، ويجد هذا الموقف الغربي تقديراً من بعض الدول الأفريقية الحليفة لأميركا التي تلعب دوراً في الشأن السوداني مثل أثيوبيا، لذا لم تدفع تلك العواصم الغربية في اتجاه تغيير راديكالي في السودان. غير أن الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد التي ظلت «تتقدم الى الخلف»، وطريقة صنع القرار في الدولة أحدثت تململاً وشعوراً عاماً بالاحباط حتى في أوساط الحركة الإسلامية وتشكيلاتها المختلفة فظهرت مذكرات تطالب بالاصلاح ومكافحة الفساد والتغيير، وبرزت على السطح مواقف ناقمة من قيادات وكوادر اسلامية من داخل النظام، وعزز ذلك تفشي الفساد والترهل الإداري وافتقاد الحكومة للمبادرات التنموية الخلاقة وتجدد الحرب مع الجنوب فخسرته الدولة ولم تكسب السلام، وهو ما جعلها تحتلّ المرتبة الخامسة بين الدول الأكثر فساداً في العالم، والمرتبة الثالثة بين الدول «الأكثر فشلاً» في العالم، وفقاً لتقديرات «معهد السلام» الأميركي. ومع أن السودان ظل بمنأى عن رياح الثورات العربية منذ اندلاعها قبل أكثر من 18 شهراً، إلا أن تدهور الأوضاع الاقتصادية بعد فقدانه عائدات النفط التي ذهبت مع انفصال الجنوب ووقف ضخ نفط الجنوب عبر أراضيه، وتراجع الصادرات غير النفطية ودخول اقتصاد البلاد مرحلة ركود تضخمي وتدهور قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، دفع الحكومة الى تبني «خطة تقشُّف» قاسية شملت رفع الدعم عن المحروقات وزيادة الضرائب على السلع المصنعة محلياً ومضاعفة الجمارك على المستوردة منها، وخفض قيمة الجنيه السوداني بزيادة سعر صرف العملات الأجنبية في مقابله، كل ذلك ضاعف من الإعباء على كاهل المواطن السوداني وجعله قابلاً للإنخراط في حركة احتجاج لاحت بوادرها في الأشهر الأخيرة. الطلاب والشباب عصب التحركات قيادات بارزة في الحكم كانت تستبعد أي رفض لـ «خطة التقشف» لكنها فوجئت باحتجاجات غاضبة في 16 حزيران، انطلقت شراراتها الأولى من جامعة الخرطوم، ثم شملت جامعات أخرى في العاصمة وامتدَّت لتشمل أحياء عدة في مدن ولاية الخرطوم الثلاث وهي الخرطوم وأم درمان والخرطوم بحري وعواصم ولايات أخرى. وكان عصب هذه التظاهرات الشباب والطلاب، الذين استخدموا تكتيكاً مختلفاً عن التجمع في ساحات عامة، فانتشروا وسط الأحياء السكنية وأحرقوا اطارات السيارات واغلقوا الطرق، وحشدوا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ما أزعج السلطات وأرهقها ملاحقتهم. ضعف التجاوب الشعبي مراقبون اعتبروها بوادر هبة شعبية رغم محدوديتها من حيث أعداد المشاركين وضعف التجاوب الشعبي نسبياً، غير أنها تشير جزئياً إلى عودة الروح إلى شرايين الحياة السياسية في السودان بعد طول كمون، ويتوقع أن يكون لهذه التحركات أثرها في تحفيز التغيير السياسي، والتسريع به. وليس بالضرورة أن يكون هذا الأثر فورياً. فالمتتبع لمسار الثورات العربية يلاحظ أن التحركات الممهدة تستغرق وقتاً قد يصل إلى سنوات قبل أن تؤتي أكلها. وسعى قادة الحكم الى التقليل من أهمية التظاهرات المتفرقة لكن خطابهم السياسي عكس قلقاً وتوتراً، وخوفاً من المستقبل، وعزز ذلك حجب السلطات مواقع الكترونية ينشط فيها المعارضون الشباب المناهضون للحكومة، ومن أبرز افرازات هذه التحركات كسر الحاجز النفسي في مواجهة نظام الحكم الذي يحتمي بآلة أمنية واعلامية، وارتفاع أصوات من داخل النظام تدعو الى ضرورة التغيير حتى ولو عبر تقديم تنازلات مؤلمة من أجل ضمان بقاء الاسلاميين في المشهد السياسي. ويعتقد خبراء ومتابعون للشأن السوداني أن شروط قيام انتفاضة شعبية في السودان متوافرة، ومن أبرزها عزلة النظام، حتى وسط قطاعات مهمة من أنصاره، وزيادة النقمة الشعبية عليه، وبوادر تبلور وحدة المعارضة، إضافة إلى كثرة الأزمات، وآخرها الأزمة الاقتصادية الطاحنة من دون أن تكون للنظام رؤية لمعالجتها وتحمل تبعاتها.
|