السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
بيانات
التاريخ:
آب ٢٧, ٢٠١٢
المصدر:
جريدة الحياة
الحياة السياسية الأردنية: ركود وخواء وسلبية - ابراهيم غرابية
انتقد الملك عبد الله الثاني ملك الأردن بوضوح قادة الدولة ونخبها السياسية، بسبب عجزهم عن إنشاء حياة سياسية نشطة تقوم على ثلاثة أو أربعة أحزاب سياسية رئيسية، وتستقطب قواعد اجتماعية واسعة وتنشئ تداولاً سلمياً للسلطة على أساس الأغلبية البرلمانية.
والواقع أنه خواء سياسي مستفحل ومتراكم وممتد، يشمل النخب السياسية ورجال الأعمال والمجتمعات والأفراد، فقد عجزت الأحزاب السياسية، وهي تعد بالعشرات، عن اجتذاب مؤيدين وأعضاء، ولم تقدر على المشاركة الفاعلة في الانتخابات النيابية بفاعلية واقتدار، وتواجه الـحكومـة اليوم عزوفاً اجتماعياً كبيراً عن التسجيل للانتخابات النيابية القادمة، وهو عزوف يؤشر إلى سلبية المجتمعات والأفراد وعدم النظر بجدية إلى الانتخابات.
فرجال الأعمال وقادة الشركات والمصالح الاقتصادية لا تبدو لهم علاقة واضحة بالأحزاب السياسية ولا العملية السياسية بعامة، ولكن تمكن ملاحظة هيمنتهم على السياسة والقرار السياسي والتشريعي.
وفي الوقت الذي دار جدل واسع حول الحياة السياسية والتشريعات، فإن موضوع العدالة الضريبية لم يطرح في تظاهرة أو ندوة أو برنامج سياسي أو خطاب نيابي. هذا العزوف عن الحوار حول التشريعات والعدالة الضريبية وعدم ملاحظة أهميته في الإصلاح، يؤشر إلى غياب تقدير أهمية القانون وعلاقته بالإصلاح السياسي والاقتصادي، بخلاف قانون المالكين والمستأجرين على سبيل المثال. وعدم القدرة على ربط العلاقة بين الإصلاح الضريبي والإصلاح بعامة يصيب العملية السياسية والإصلاحية في مجموعها بخلل كبير جداً، فهو يعني ببساطة أن عمليات تنظيم الموارد (جمعها وإنفاقها) تجري وفق رؤية مجموعات ومصالح محددة، بعيداً من التفاعل الاجتماعي والسياسي، ويتبع ذلك متوالية من الخلل والفساد، تبدأ بغياب المصلحة لمجموعات الاعمال والتجارة في الإصلاح والعمل السياسي بعامة، لتفضل على ذلك بناء تحالفات مع السلطة التنفيذية والتشريعية بدلاً من خوض العملية السياسية والتشريعية وفق قواعد من التنافس والتفاعل السياسي والاقتصادي. وينشئ ذلك بطبيعة الحال نخباً مغلقة مهيمنة، ثم تنفصل علاقة النقابات والقيادات الاجتماعية بالإصلاح، لأن مصالحها ومواردها ستكون بيد السلطة ورجال الأعمال، وتفقد العمليات الثقافية الدعم والتمويل، لأن القادرين على الدفع لا يجدون دافعاً لذلك طالما أنهم ليسوا في حاجة للتحالف مع المجتمعات والناخبين! وتضعف المجتمعات وتهمش، وتصبح فرصتها في الإصلاح قائمة بالاعتماد الكامل على السلطة بدلاً من أن تملك مواردها وعلاقاتها المستقلة عن السلطة والشركات.
السياسات الضريبية تعبر ببساطة عن تنافس/ تحالف عـلاقات القوى السـياسية والاقتـصـادية، وما حصل بالنسـبة لقانون ضريبة الدخل الـموقت المعمول به حالياً، أنه مُرِّر في طرفة عين في لحظةِ حلِّ مجلس النواب السابق، ويبدو واضحاً انه يعكس مصالح ورغبـات بنـوك وشـركات وأعمال كانت بالإضافة إلى عملها الاقتصادي والتجاري تقود العمـلية السيـاسية والسـلطة التنفيذية والتشريعية.
لا يمكن أن تكون الحياة السياسية مجدية وفاعلة من دون مشاركة الطبقة الوسطى وتشكلها حول الأولويات والسياسات الإصلاحية، فالطبقة الوسطى في سعيها الدائم لتحسين حياتها وحماية مصالحها ووضوح تطلعاتها وأهدافها الناشئ من خبرتها المهنية والتعليمية، تجد مصالحها وأهدافها دائماً (يفترض) بالإصلاح السياسي والارتقاء بالأداء العام والخدمات الأساسية ووجود آليات ومؤسسات تحمي وتضمن الإصلاح السياسي، ويبدأ الإصلاح عندما تجد الطبقة الوسطى أملاً من خلال العملية السياسية بتحقيق اهدافها وتطلعاتها، وهنا يمكن للقيادات السياسية والحزبية والمرشحين للانتخابات النيابية تأسيس عمليات تواصل وعمل مشترك مع المجتمعات لأجل إصلاح الأداء العام والارتقاء بالخدمات الأساسية... لماذا لا يجد المسؤول السياسي حاجة للتواصل والعمل مع المجتمعات؟ لأنه ببساطة لم تعد عمليات اختيار الوزراء والمدراء العامين والسفراء والمسؤولين الحكوميين وقادة المؤسسات الحكومية وآلياته تتم بناء على معايير سياسية واجتماعية، ولم تعد ثمة حاجة لأن يكون المسؤول الحكومي قائداً اجتماعياً او سياسياً، ولا حتى قائداً مهنياً او تقنياً او بيروقراطياً، لم يعد النجاح السياسي والاجتماعي والمهني والعلمي مدخلاً للتقدم السياسي... وتحولت النخب السياسية بسرعة إلى تجمع مغلق وآسن، وعندما يدرك المواطن أن تقدمه السياسي لا يقوم على النجاح المهني وثقة المجتمعات، تصبح العملية السياسية مجرد هواية ترفيهية جميلة.
* كاتب أردني.
الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك
اطبع الكود:
لا تستطيع ان تقرأه؟
جرب واحدا آخر
أخبار ذات صلة
العاهل الأردني يكلف لجنة للإصلاح... ويتعهد تبني توصياتها ومنع التدخلات
الأردن: 18 موقوفاً بتهمة محاولة زعزعة استقرار البلاد في قضية «الفتنة»
مجلس النواب الأردني يقر موازنة البلاد بالأغلبية
العاهل الأردني: ليس مقبولاً خسارة أي مواطن نتيجة الإهمال
الأردن: توقيف 5 مسؤولين بعد وفاة مرضى بكورونا جراء انقطاع الأكسجين
مقالات ذات صلة
مئوية الشيخ المناضل كايد مفلح عبيدات
الأزمة اللبنانية والتجربة الأردنية - مروان المعشر
انتفاضة نيسان 1989: أين كنا وكيف أصبحنا ؟
حقوق المراة الاردنية 2019 - سليمان صويص
يوميات حياة تشهق أنفاسها في البحر الميت - موسى برهومة
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة