السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: آب ٢٨, ٢٠١٢
الكاتب: زياد ماجد
المصدر: nowlebanon.com
داريا: كاميرا القتل والساديّة

تعبّر تغطية تلفزيون "الدنيا" مجزرة داريا في سوريا، في ما هو أبعد من الغباء والانحطاط الأخلاقي المعهودَين، عن ساديّة جرميّة جمعت جنوداً وشبّيحة بصحافيين ومصوّرين.

فالكاميرا التي تجوّلت برفقه مقاتلي النظام بين جثث ضحاياهم وجرحاهم والناجين من طلقاتهم وحرابهم لم تكن تبحث عن توثيق أو تغطية أو روايةٍ لقصصِ موت ونجاة.

 

كانت تريد إذلال القتلى وقهر الناجين. كانت تستكمل جريمة النظام، وكأنها تحمل سلاحه وتواصل إطلاق النار أو التهديد بإطلاقه على الوجوه والأجساد المعروضة في لحظة ضعفها الانساني الاستثنائي، أمام أعين محقّقين وشامتين وصامتين ومذهولين.
 
هكذا، بدت مقابلات الكاميرا عمليّات تنكيل بالجثامين وابتزاز علنيّ لذويهم. بدت تقول إن النظام لم يعد يكتفي بالقتل وبالتعذيب وبإطلاق النار على الجنازات. صار يريد أيضاً إذلالاً مشهدياً للقتلى وأهلهم. يريدهم في مظهر انكسار واستسلام لحظة الفجيعة، ويريد الاحتفال بنصر عليهم وبدوس على دمائهم ودموعهم وأكفانهم.
 
أكثر من ذلك، بدا النظام وكاميراه يحضّان مريديهما على الشماتة بداريا، وعلى احتقار الموتى والأحياء فيها وكراهية كل ما مثّلته وتمثلّه في مخيّلة الثورة السورية كما في يوميّاتها. وبدت "الصحافية" (العصرية في مظهرها) التي تسأل الطفل عن أمّه الذبيحة وتحدّثُ السيدة (المحجّبة والمحافظة) النازفة عن آلامها كمن يدعو الى الاحتفاء بموت ينبعث من "تلفزيون الواقع"، ليعلن انتصاراً للقاتل وتهنئة له.

 

هي الساديّة بوصفها مرضاً مستفحلاً في سلوك نظام قاتل، وبوصفها كذلك سياسةً لإعادة بعض هيبته المهشّمة منذ أشهر طويلة. وهي الجريمة التي لم تعد تقوى على احتمال جنازات ضحاياها وما تُطلقه من إرادات تحدٍ وعهود استمرار للحياة لحظة الدفن. تريدهم موتى بصمت وتنصّل من كل موقف فردي وجماعي من القاتل. تريدهم بلا وشعارات وهتافات وعيون تشيّعهم، لا بل تريدهم عبيداً يموتون ويعيشون بمهانة تصوّرها الكاميرا وتجعلها مادة سمعية بصرية تمحو المواد السابقة التي صوّرتها كاميرات أُخرى، أو بالإحرى، تحاول محوَها.
 
كاميرا "الدنيا" في داريا هي إذن كاميرا السادية والجريمة والخوف والبحث عن سطوة مشهدية. وهي فوق هذا كاميرا تكره الصورة - الحقيقة وتحتقر الناس المصوَّرين - الحقيقيين. هي اختصار المساحة الشاسعة بين "دولة" السكاكين والذبح و"مجتمع" البحث عن القيامة بعد عقود من الموات.
 
وكاميرا "الدنيا" في داريا هي أيضاً كاميرا عار الساكتين عن القتل، والمتفرّجين على القتلة والقتلى وكأنّهم أمام فيلم محايد لا روائح دم فيه ولا مستقبل حياة مشترك مع "أبطاله" بعد انطفاء التلفزة...

 



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
إقرأ أيضا للكاتب
نوّاف سلام في «لبنان بين الأمس والغد»: عن سُبل الإصلاح وبعض قضاياه
فلسطين العصيّة على الممانعة والتطبيع
جبهات إيران الأربع والتفاوض مع الأمريكيين
عن الحياد وتاريخه وأفقه لبنانياً
عن بكركي والمعارضات اللبنانية
أخبار ذات صلة
تقرير لوزارة الخارجية الأميركية يؤكد حصول «تغييرات طائفية وعرقية» في سوريا
انقسام طلابي بعد قرار جامعة إدلب منع «اختلاط الجنسين»
نصف مليون قتيل خلال أكثر من 10 سنوات في الحرب السورية
واشنطن تسعى مع موسكو لتفاهم جديد شرق الفرات
دمشق تنفي صدور رخصة جديدة للهاتف الجوال
مقالات ذات صلة
سوريا ما بعد الانتخابات - فايز سارة
آل الأسد: صراع الإخوة - فايز سارة
نعوات على الجدران العربية - حسام عيتاني
الوطنية السورية في ذكرى الجلاء! - اكرم البني
الثورة السورية وسؤال الهزيمة! - اكرم البني
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة