الأحد ٢٩ - ٣ - ٢٠٢٦
بيانات
التاريخ:
آب ٣٠, ٢٠١٢
الكاتب:
فؤاد السعيد
المصدر:
موقع الوطن المصري
الحرابة الأهلية فى مصر
بداية، لست مع من يطالبون بإسقاط رئيس منتخب ديمقراطياً بعد شهور قليلة من تسلمه مسئولية الحكم، ولكن نقدى للإخوان -وللإسلام السياسى وعلماء الدين المسلمين أيضاً- يتعلق بقلقى من عدم إدراكهم لمدى المسئولية المضاعفة التى أصبحت ملقاة على عاتقهم بعد وصول تيارهم السياسى للسلطة. تنتشر الآن مشاعر نشوة الانتصار السياسى بين أتباعهم من الناس العاديين فى أنحاء مصر، قراها ومدنها. يسود بينهم اعتقاد بأن الوضع السياسى الراهن هو وضع نهائى دائم، وبالتالى تنبغى ترجمته فوراً فى صورة تحول فورى لحالة «المجتمع الإسلامى» وعلى رأسها تطبيق الشريعة والحدود.
خذ مثلاً موضوع حد الحرابة، وتأمل فى مسار فهم العامة من المسلمين له. يعتقد هؤلاء أن الحدود هى أمور بسيطة واضحة للكافة وبالتالى ينبغى المبادرة لتطبيقها، إن لم يكن عن طريق الدولة وتشريعاتها، فعن طريق الناس مباشرة أفراداً أو جماعات، والحق أن تطبيقها وتنفيذ عقوباتها هو حكر على ولى الأمر، أى الدولة ومؤسساتها الشرطية والقضائية. ولذلك فإن أكثر ما أفزعنى فى فتوى الشيخ هاشم إسلام ليس حديثه عن تطبيق حد الحرابة، وليس لأنه انصبّ على متظاهرى «ثورة» 24 أغسطس المزعومة -رغم حقهم الأصيل فى التظاهر السلمى- ولكن أفزعنى عدم أمانته وتهاونه -المتعمد سياسياً على الأرجح- حين ترك الباب مفتوحاً لمستمعيه من عامة المسلمين ليفهموا من حديثه المسجل بالصوت والصورة أنهم، أفراداً وجماعات، منوط بهم مباشرة تنفيذ حد الله بقتل المتظاهرين الذين يشتمّ منهم شبهة استخدام العنف، دون الاكتفاء بدورهم المفترض كشهود أمام جهات الضبط والتحقيق حال وقوع العنف أصلاً.
بعد تلك الفتوى بأيام قليلة وتحديداً يوم 24 أغسطس نفسه وفى الوقت الذى كانت ميادين القاهرة والإسكندرية مرشحة لبداية ما يشبه حرباً أهلية -حمى الله مصر منها بفضل علماء الأزهر وقيادات إسلامية وإخوانية مسئولة- كانت قرية «بندف» بمحافظة الشرقية تشهد سادس تطبيق لحد الحرابة «الأهلى» فى محافظة الشرقية مسقط رأس الرئيس، حيث قام الأهالى بقتل أربعة لصوص واحداً تلو الآخر، بعد أن قاموا بصلبهم على الأشجار وتقطيع أجزاء من أجسادهم أمام الناس، قبل أن يمثلوا بجثثهم تطبيقاً لـ«حد الحرابة» -حسب فهمهم له- لعقابهم على الفساد فى الأرض، على حد قول الأهالى. نفسياً، يمكن تفسير هذا العنف الجماعى المفرط على ضوء ما يُعرف بتوتر ما بعد الثورات؛ فالعنف الدفاعى المرتد هو رد فعل عصبى يتسم بالمبالغة، ناتج عن تراكم مشاعر الخوف والقلق من المجهول فى مناخات انعدام الأمن، وعادة ما يتم بشكل جماعى إذ يكتسب الأفراد الجرأة على الفعل نتيجة الشعور بالاستقواء بالجماعة.
يعتقد هؤلاء البسطاء أن عقوبات الحدود من جلد وتقطيع وصلب ونفى وقتل هى عقوبات ينبغى المبادرة إلى تطبيقها بشكل آلى وفورى، دون إدراك منهم لمعنى الحديث الشريف: «ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم لمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ فى العفو خير من أن يخطئ بالعقوبة». وكذلك ما صح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه من قوله: «ادرأوا الحدود بالشبهات»، وما ثبت من فعله من إيقاف حد السرقة عام المجاعة، لوجود شبهة الحاجة.
عادة ما تبحث هذه الممارسات الدفاعية المرتدة المفرطة العنف عن سند ثقافى يبررها أخلاقياً، وفى حالة المجتمعات إسلامية الثقافة فإن «حد الحرابة» يعتبر مثالياً للعب هذا الدور، لولا عائق اختصاص ولى الأمر -دون العامة- بتنفيذه، وهو العائق الذى أزاله الشيخ هاشم وأمثاله دون سند من شرعية دينية ودون أدنى شعور بالمسئولية السياسية.
الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك
اطبع الكود:
لا تستطيع ان تقرأه؟
جرب واحدا آخر
إقرأ أيضا للكاتب
دور "العمى الإدراكي" في تفسير ارتباك الثورات العربية (حالة مصر)
اللجوء إلى الأطراف: الجغرافيا المتحركة للعنف الإسلامي في مصر
من الثورة للسياسة.. من السياسة للثورة
ثورة مرسى الثقافية
المصدومون بالفتنة فى «الخصوص»!!
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة