الأحد ٢٩ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٢, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
تنازع الشرعيات في الثورات العربية - محمد الحداد
في كتابه الأخير «فكرة العدالة»، قدّم المفكّر والاقتصادي الهندي أمارتيا سين، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد عام 1998، تمثيلاً طريفاً أراد من خلاله التشديد على تعقّد موضوع الشرعية. يقول سين: لنفترض ثلاثة أطفال يعثرون على مزمار، أحدهم يطالب بأن يحتفظ به لأنّه بين الثلاثة الوحيد الذي يتقن العزف والموسيقى. والآخر يطالب بالمزمار بحجّة أنه أكثر الثلاثة فقراً ولا يملك لعباً ومن حقّه أن يمتلك لعبة واحدة على الأقلّ، والثالث يقدّم الطلب نفسه، لأنّه يدّعي أنّه هو الذي صنع هذا المزمار. لنفترض أن الأطفال الثلاثة يحتكمون إلى كهل ويطلبون منه أن يحسم الأمر بينهم، بالتأكيد سيجد عسراً في تقديم حكم حاسم في المسألة على رغم بساطتها، لأنه يواجه ثلاثة مطالب عادلة، لكنّ المزمار لا يمكن أن يقسّم لتلبية الرغبات العادلة آن.
 
فمع أن المسألة بسيطة، تجمع ثلاثة أطفال ومزماراً لا قيمة له، فإنها على درجة عالية من التعقيد بسبب التنازع بين شرعيات ثلاث: شرعية الكفاءة (الأَوْلى أن يحتفظ بالمزمار من كان قادراً على استعماله)، وشرعية التظلم (لماذا يحصل أطفال على ألعاب إضافية إذا وُجد طفل لا يملك لعبة واحدة؟)، وشرعية الملكية (إذا كان الطفل الثالث هو الذي صنع المزمار فهو الأَوْلى بملكيته). يختزل هذا المثال نقد سين ومعارضته لنظرية جون راولس في العدالة لأنها قامت وفق رأيه على مسلّمة أحادية الحكم العادل. لكننا سنترك جانباً الخلاف بين هذين المفكرين لنطبّق المثال على مجتمعات الثورات العربية، إذ تبدو بالضبط في الوضع الذي عرضه سين. فهي ثورات حصلت من دون أن تحمل علامة ملكية لطرف معين، عكس الانقلابات العسكرية مثلاً التي حصلت في الستينات او حركات التحرر الوطني التي كانت مؤطّرة بأحزاب وزعامات معلومة. وقد اشتركت في الثورات الحالية أطراف متعدّدة ومتفاوتة الأهمية في السبق والدور، ومن فاته السبق احتجّ بأنّ دوره كان الأكثر ثقلاً، ومَنْ تراجع دوره احتجّ بفضل السابقين على التابعين، وفي النهاية، تعيش مجتمعات الثورات العربية تنازعاً عنيفاً على الشرعية أصبح يهدّد الثورات ذاتها.
 
والشرعيات المتنازعة تشبه كثيراً تلك التي أشار إليها سين في مثاله، فهناك شرعية الكفاءة التي تقول إن الثورات كانت تنادي بالتحوّل الديموقراطي والعدالة الاجتماعية، فمن كان الأكثر قدرة على فهم آليات البناء الديموقراطي وتنشيط الاقتصاد لتلبية حاجات المواطنين يكون الأَوْلى بإدارة الثورة. وهناك شرعية التظلم التي تعتبر أنّ من تحمّل الأذى أكثر من غيره في العهد السابق هو الأكثر جدارة بإدارة العهد الثوري تعويضاً له على ما ناله من الاضطهاد، وضماناً منه لمنع عودة رموز النظام القديم. وهناك شرعية الملكية، ويعتبر أصحابها أنّهم أوّل من أدخل مفهوم الثورة للاستعمال العمومي وأوّل من أطلق شرارتها على الميدان، فهم الأَوْلى بإدارة ما صنعت أيديهم.
 
وإذا أردنا أن نمضي أبعد من المثال إلى التعيين، قلنا إنّ التيارات الليبرالية والإصلاحية تقف في صفّ الشرعية الأولى، وتحذّر من أنّ إدارة الثورة على يد من كانوا آخر من يعترف بالديموقراطية، ستؤدّي إلى استنساخ ديكتاتورية الماضي في شكل جديد، هذا إذا صحّت النية أصلاً في هذا الاعتراف ولم يكن مجرّد مكر للاستيلاء على السلطة. ثم وجدنا التيارات الإخوانية في صفّ الشرعية الثانية، تعتبر أن من العدل أن تُعهد إليها إدارة الثورة لما نالها من ويلات في السابق، وقد ترضى بترك بعض الفتات للآخرين من موقع الكرم وحسن التعامل لكنها لن تقدّمهم على الآلاف من أتباعها الذين يطالبون بالتعويض على ما فاتهم. وأخيراً، وجدنا التيارات اليسارية في صفّ الشرعية الثالثة، تذكّر بأن كلمة ثورة نفسها لم تدخل الفكر العربي إلا مع اليسار، فمن أين باليمين أن يصبح ثورياً بعدما كان يفتي بحرمتها؟ أو بالإصلاحيين أن يديروا الثورة والإصلاح نقيضها؟ وهل قامت الثورة بالانتخابات حتّى يتحدّد حجم التيارات السياسية بالنتائج الانتخابية؟ أليست شرعية الميدان هي الشرعية الأعظم في كلّ ثورة؟
 
يترتّب على هذا التنازع في الشرعيات أحد مآلين: الأوّل أن تفرض إحدى الشرعيات نفسها بالقوّة على الأخريين، ولكن في اللحظة التي ستنجح فيها عملية الاستيلاء هذه يفقد الطرف الرابح صفة الشرعية، لأن طبيعة الشرعية وجوهرها يتمثلان في تحقّقها تلقائياً من دون عنف، وما عدا ذلك يعدّ مجرّد هيمنة. والمآل الثاني أن تتوافق الشرعيات من أجل تحقيق أهداف الثورة ومصالح الشعب، وأن تقبل فكرة أن الحكم العادل ليس بالضرورة واحداً (مثلما حاول سين أن يبيّن في كتابه المذكور)، وأنّ الصواب يمكن أن تمثّله وجهات نظر متعدّدة (كما قال ابن الهيثم قبله). لكن العالم العربي الذي لم يعرف في تاريخه الطويل غير الاستبداد يصعب فيه قيام ثقافة حقيقية للتوافق، وكثيراً ما تتحوّل فكرة الوفاق ذاتها إلى مجرّد خطة ماكيافيلية تمهّد للاستيلاء والهيمنة.
 
هكذا يبقى المزمار معلّقاً بين الأطفال الثلاثة، إلى أن يظفر به أكثرهم مكراً... أو يأكل الذئب ثلاثتهم، إذا بقوا في الغاب يتنازعون على المزمار إلى ما بعد الغروب.


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
احتجاجات ليلية قرب العاصمة التونسية ضد انتهاكات الشرطة
البرلمان التونسي يسائل 6 وزراء من حكومة المشيشي
البرلمان التونسي يسائل الحكومة وينتقد «ضعف أدائها»
الولايات المتحدة تؤكد «دعمها القوي» لتونس وحزب معارض يدعو الحكومة إلى الاستقالة
«النهضة» تؤيد مبادرة «اتحاد الشغل» لحل الأزمة في تونس
مقالات ذات صلة
أحزاب تونسية تهدد بالنزول إلى الشارع لحل الخلافات السياسية
لماذا تونس... رغم كلّ شيء؟ - حازم صاغية
محكمة المحاسبات التونسية والتمويل الأجنبي للأحزاب...
"الديموقراطية الناشئة" تحتاج نفساً جديداً... هل خرجت "ثورة" تونس عن أهدافها؟
حركة آكال... الحزب الأمازيغيّ الأوّل في تونس
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة