|
منذ اندلاع الثورة السوريّة، وخصوصاً منذ افتضاح ما كان ينويه ميشال سماحة، بدأ ينشأ تغيّر ملحوظ في التوازن السياسيّ اللبنانيّ. فلم يكن مألوفاً، مثلاً، أن يقال كلام رسميّ لبنانيّ في الأمم المتّحدة من أنّ "السيادة اللبنانيّة تُنتهك من خلال سقوط القذائف السوريّة التي تطلقها القوات النظاميّة داخل الأراضي اللبنانيّة، ما يُعرِّض المواطنين اللبنانيّين الأبرياء في المناطق الحدوديّة لخطر شديد". ولا كان من المتخيَّل تطويق مقرّ للحزب القوميّ السوريّ في الحمرا ببيروت، وهو أكثر الأطراف المحلّيّة قرباً من دمشق واستقواءً بنفوذها.
هكذا يجوز القول إنّنا نتخلّص هذه الأيّام ممّا تبقّى من كابوس الوصاية، بعدما كان رحيل القوّات السوريّة من لبنان بداية ذاك التخلّص. وفي هذه الغضون يبدو حزب الله مرتبكاً متلعثماً لا يملك ما يقوله حتّى لآل المقداد.
لكنّ انقلاب التوازن قد يكون خطيراً ومكلفاً، سياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً، إن لم يترافق مع سلوك رشيد يفهم هذا الانقلاب ويواكبه إيجابيّاً، بما يخدم تجنّب العنف والاقتراب من بناء الدولة. فإذا لم يتحقّق لنا هذا الهبوط الآمن تحطّمت الطائرة بنا جميعاً.
وهنا يمكن تعيين مهمّات ثلاث هي شروط حاسمة للهبوط الآمن:
- تنظيم وتشذيب الصعود السنّيّ العشوائيّ الذي ترافق مع قيام الثورة السوريّة. وهذا يعني ضبط سنّيّته لصالح لبنانيّته الجامعة والتخفيف من بعض تعبيراته الثأريّة. فما لا شكّ فيه أنّ سنوات الكبت الماضية، بما فيها من هيمنة سلاح حزب الله، هي التي تفسّر هذا التوكيد الذاتيّ الحادّ. لكنّ البلد، بطبيعة تكوينه، لا ينهض في ظلّ فائض توكيديّ تمارسه أيّ من الطوائف التي يتراءى لها، في هذا الوقت أو ذاك، أنّها ظافرة ومنتصرة.
- تأسيس لغة غير عنصريّة للمعارضة المسيحيّة تستطيع من خلالها التمييز بين عدائها للنظام السوريّ وموقفها من سوريّا وشعبها. والحال أنّ التظاهرة التي طالبت بطرد السفير السوريّ من لبنان لم تكن مشجّعة أبداً على هذا الصعيد. إنّ الدفاع عن السوريّين في لبنان وطمأنتهم وحمايتهم هي اليوم، وفي آن معاً، مهمّة أخلاقيّة وحجر يُبنى عليه مستقبل لبنانيّ – سوريّ مختلف.
- طمأنة الطائفة الشيعيّة (والطائفة العلويّة) إلى أنّ الميول الثأريّة والانتقاميّة ليست على أجندة أحد، وضبط هذه اللغة المريضة عن "الفرس" و"المشروع الفارسيّ" و"الصفويّ"... وإذا كان هذا آمراً وطنيّاً وأخلاقيّاً دائماً، فإنّ ما يزيده إلحاحاً أنّ حزب الله الجريح قد يؤذي أكثر ممّا يؤذي حزب الله المعافى. ويبقى، في النهاية، أنّ كسب قوى وازنة من الطائفة الشيعيّة لمطلب احتكار الدولة للسلاح شرط شارط لكسب هذه المعركة.
وعلى العموم فإنّ تعداد المهمّات شيء والتفاؤل باحتمالها شيء آخر للأسف.
|