السبت ٢٨ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٦, ٢٠١٢
المصدر: جريدة الحياة
القوى السياسية المصرية ومراراتها التاريخية - وليد محمود عبد الناصر
يبدو المشهد السياسي المصري للمشاهد من بعيد وكأنه يتسم بدرجة عالية من السيولة والحراك بسبب تعدد وتنوع، بل تكاثر وتضاعف، التيارات الفكرية والسياسية وقوى المجتمع المدني الفاعلة في إطاره، وأيضاً التداخل فيما بينها، وكذلك ظاهرة التحولات المتسارعة والتغيرات المتلاحقة في أنماط التحالفات والإئتلافات والعمليات التنسيقية فيما بين هذه القوى، بالإضافة إلى حالة الانشقاقات داخل كل منها ثم إعادة التوحد بين اثنين أو أكثر من مكونات لتشكيلات تنظيمية أو حزبية كانت قائمة بالفعل من قبل، وذلك في مشهد يتسم بأنه شديد التركيب والتعقيد والتشابك.
 
إلا أن المراقــــب المدقق الذي يقترب من هذا المشهد بشكــــل أكثر جدية ويحاول أن يتسلل إلى أعماقه بنية التحليل الهادئ لمضامينه يجد أن هذا المشهد يتصف في حقيقة الأمر بضبابية في الرؤية من نوع آخر نتيجة إشكاليات جمة ذات طابـــع بنيوي وهيكلي تتصف بها الأطروحات السياسية ذات الجذور التاريخية لدي كل من هذه التيارات والقوى بما تقوم عليه من أنساق متشابكة من الآراء والافتراضات المسبقة تؤثر بدورها في صياغة وبلورة المواقف والسياسات الراهنة لهذه التيارات والقوى، وتحول دون إضفاء الحد الأدنى المطلوب من المرونة اللازمة على طبيعة ودوافع ومدى وأهداف التحركات، بل وحتى المناورات، السياسية لهذه القوى والتيارات، وهو الأمر، من وجهة نظرنا، الذي حال، وما زال يحول، دون تحقيق تقدم يذكر نحو الهدف المفترض أنه منشود من قبل كافة، أو لنقل على أقل تقدير غالبية، القوى السياسية المصرية، وذلك بالطبع وفقاً للمعلن من بياناتها والمنشور من مواقفها، والله أعلم بما في الصدور، وأعني هنا هدف التحرك في اتجاه بناء درجة متقدمة ما من التوافق الوطني العام والعريض فيما بين مختلف المكونات الفكرية والسياسية والمجتمعية المصرية على عناصر وبنود، أو حتى الخطوط العريضة، لبرنامج يجمع بين ما هو حد أدنى مشترك فيما بين كافة هذه القوى، وهو بالمناسبة في جوهره ليس بالقليل، فيما يخص كيفية بناء الدولة المصرية الجديدة في حقبة ما بعد ثورة 25 كانون ثاني (يناير) 2011 ومقومات هذه الدولة وخصائصها وطبيعتها وهويتها وأطرها المرجعية وما إلى ذلك من مرتكزات البناء الوطني الدستوري والقانوني والمؤسسي السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي لهذا البناء الجديد للدولة المصرية.
 
ويرجع جزء كبير من غياب المرونة الكافية عن مواقف القوى السياسية المصرية، أو لنقل معظمها، من وجهة نظرنا، تجاه الأطراف الأخرى في المعادلة السياسية الوطنية إلى مخزون متراكم من الحساسيات والمرارات التاريخية لدي الأطياف الأساسية الأربعة المكونة للمشهد السياسي المصري، وأعني هنا التيارات الإسلامية والناصرية القومية واليسارية والليبرالية بمعناها العريض، مع الإقرار بأنه داخل كل منها توجد تنويعات واختلافات، بل وخلافات، قد تتســـع دائرتها أو تضيق من فترة إلى أخرى وبحسب الظروف الموضوعية والذاتية المحيطة بحركتها والمحددة لها. ولا تقتصر هذه المرارات لدي هذه الأطياف الأربعة على مرارات لدي كل منها تجاه الآخر أو لدي فصيل تجاه فصيل آخر داخل نفس التيار العريض، بل ما لدي بعضها أيضاً تجاه الدولة المصرية ومؤسساتها وممارساتها نتيجة تراكمات موروثة من مراحل سابقة في تاريخ مصر الحديث والمعاصر.
 
وتزداد الصورة تعقيداً وتشابكاً عندما نجد أن بعض هذه القوى السياسية المصرية أو بعض مكونات لكل منها ترفض الإقرار بوجود هذه المرارات التاريخية أصلاً، بينما البعض الآخر منها يدفع بأن هذه المرارات وما تفرزه من حساسيات ربما تواجدت في مرحلة سابقة ولكنها ليست ذات تأثير على الشعارات التي ترفعها أو التوجهات التي تجسدها أو المواقف التي تتبناها أو السياسات التي تتبعها هذه التيارات والقوى في الفترة الراهنة، أو على خياراتها المستقبلية، وتصر غالبية هذه القوى ومكوناتها على أنها قد تجاوزت بالفعل هذه المرارات، على الأقل من الناحية السياسية، ولم تعد تعيرها انتباهاً أو تأخذها في الحسبان حالياً، وأنها تترك مسألة التقييم النهائي الموضوعي والعادل للأحداث التاريخية السابقة التي تولدت عنها هذه المرارات وإصدار الأحكام بشأنها لكلمة التاريخ وحكم الشعب على المدى البعيد. وتحاول هذه القوى إعطاء العديد من الأدلة والبراهين لإثبات صدق إعلانها عن تجاوز هذه المرارات، إلا أنه بالمقابل فالعديد من الشواهد العملية من الواقع السياسي المعاش في مصر اليوم تشير إلى خلاف ذلك، وهو ما يوجد عليه العديد من الأمثلة، بما في ذلك في فترة ما بعد ثورة 25 كانون ثاني 2011 المصرية، والتي كان الرهان، ولا يزال، لدي البعض، على أنها مثلت فرصة تاريخية نادرة لتمكين القوى السياسية المصرية من تجاوز مرارات الماضي وما ولدته من حساسيات، وذلك عبر عملية مصارحة فكرية وسياسية، ومصالحة وطنية وتاريخية واسعة النطاق وسوف تكون ذات دلالات هامة وانعكاسات لها تأثيرها الإيجابي على حاضر مصر، بل والأمة العربية والإسلامية بأسرها، ومستقبلها.
 
* كاتب مصري.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة