|
لست من المعجبين ببشير الجميّل أو بأيّ من أمراء الحرب اللبنانيّين ورموزهم. مع هذا ففي الذكرى الثلاثين لاغتيال بشير، اندفعت إلى الواجهة روايتان متناقضتان لم يكن تجدّد ظهورهما غير تعبير عن استمرار التنازع اللبنانيّ وانعدام الإجماع بين اللبنانيّين.
فهناك الرواية التي تمجّد بشير، وتتبنّى دعوته الخلاصيّة، كما تقدّم انتخابه للرئاسة كتتويج لعمليّة ديموقراطيّة برلمانيّة صرفة يقف وراءها إجماع وطنيّ متماسك.
والرواية هذه تجافيها الحقيقة من ألفها إلى يائها. فبشير فتح عينيه على الدنيا في زمن الحرب والاقتتال الأهليّ، فلم يعرف إلاّ جماعته الطائفيّة التي أسماها وحدها "اللبنانيّين". ومن دون أن يخبر أيّة حياة سياسيّة ودستوريّة في أوضاع مستقرّة، خدمته بنوّته لمؤسّس حزب الكتائب بيار الجميّل، فضلاً عن كاريزميّته، في أن يرتقي من شيخ شباب إلى قائد ميليشيا. ولئن كان طريقه محفوفاً بالعنف، شأنه في ذلك شأن باقي قادة الميليشيات، فإنّ ما صدر عنه من مواقف وآراء لا ينمّ عن تلك الهالة التاريخيّة التي أُسبغت عليه. إنّ ما تركه لنا أقرب إلى "مَراجل" ريفيّة وفولكلوريّات مصبوغة ببعض العموميّات الوطنيّة ذات الطابع الزجليّ. وغنيّ عن القول إنّ وصوله إلى رئاسة الجمهوريّة في 1982 كان ليستحيل لولا الاجتياح الإسرائيليّ الذي سبقه، مع ما رافق ذلك من خوف وتهديد ووعيد للنوّاب الذين صوّتوا له.
لكنْ هناك، في المقابل، الرواية الأسوأ التي تقدّم بشير بوصفه الشرّ الوحيد في عالم من الملائكة، والعنيف الوحيد في عالم من عازفي البيانو. فكأنّ اللبنانيّين، بحسب هذه الرواية، كانوا كلّهم متّفقين على الخضوع لجيشي المقاومة الفلسطينيّة والردع السوريّ، وجاء بشير نافراً عن هذا الإجماع الوطنيّ المقدّس. وهنا لا تبقى سوى الخيانة والعمالة أداة لتفسير تعاونه مع الإسرائيليّين.
هذا كذب وتزوير. فمنذ أواخر الستينات والانقسام صريح بين لبنانيّين قبلوا أن يكون وطنهم ممرّاً لعمليّات عسكريّة فلسطينيّة ولبنانيّين رفضوا ذلك وطالبوا بالاستفتاء عليه. وقد كان السلاح الفلسطينيّ، ومن بعده سلاح الردع السوريّ، مادّة تخويف لهؤلاء الأخيرين الذين لجأوا إلى التسلّح عندما يئسوا من قدرة الدولة على حمايتهم. أمّا قتل بشير الجميّل فلم يكن بعيداً عن المخطّط الأسديّ لإبقاء لبنان أداة في استراتيجيّته لتحسين شروطه التفاوضيّة مع الإسرائيليّين. وفي هذا المعنى يصحّ في قتل بشير ما صحّ قبله في قتل كمال جنبلاط، وما صحّ بعده في قتل رفيق الحريري، ولو اختلفت طريقة كلّ واحد منهم في الخروج من القبضة الأسديّة.
إنّ أيّة رواية صادقة وواقعيّة عن بشير الجميّل وحقبته تبدأ بالضرورة من تحميل بلد منقسم مهمّات لا يقوى عليها، مهمّاتٍ تؤدّي إلى مزيد من انقسامه بدل أن تؤدّي إلى توحيده في مواجهة "العدوّ المصيريّ". وفي علاقة كهذه تنمو كلّ علامات التطرّف، كما تشمل الجميع ممّن يحكّمون غرائزهم ويتوهّمون حلّ المشكلة بالقتل الذي لم تقتصر ممارسته على بشير الجميّل.
|