الأربعاء ٢٥ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: أيلول ٢٤, ٢٠١٢
المصدر: جريدة النهار اللبنانية
اغتيال البراءة في بيروت الثمانينات وفي بنغازي 2012 - محمد أبي سمرا

هل من شبه ما، بين اختطاف الباحث الفرنسي الشاب ميشال سورا، و"قتله" وإخفاء جثته في بيروت ثمانينات القرن العشرين، وقتل السفير الأميركي كريس ستيفنس في بنغازي الليبية في 2012؟ هنا مقارنة بين سيرتَي الرجلين في خضم حيوية العيش وبهجته وصورة القتل المقزز.

 

في شريط وثائقي عرضته محطات تلفزيونية عربية وعالمية، يصور مشاهد من سيرة السفير الأميركي كريس ستيفنس المهنية في ليبيا، قبل شهور من مصرعه في قنصلية بلاده في بنغازي إبان هجوم إسلاميين عليها وحرقها احتجاجاً على ما قيل إنه فيلم أميركي مسيء الى نبي الاسلام، جرى بثّه على "يوتيوب"، يظهر الديبلوماسي الأميركي شخصاً خمسينياً فتياً، متخفف الجسم والحضور من الرسميات الديبلوماسية، منشرحاً ومتفائلاً ومحتفلاً بمستقبل ليبيا الزاهر الموعود بعد نجاح ثورتها التي شهد فصولها الأخيرة، ولعب دور صلة الوصل بين "مجلسها الانتقالي"، وسياسات بلاده الداعمة لثورة الشعب الليبي على الطاغية الراحل معمر القذافي. لكن سخرية الأقدار وقسوتها سرعان ما ظهرتا في الصور الفوتوغرافية التي تناقلتها الصحف للسفير قتيلاً أو في الرمق الأخير، بعيد لحظات من إخراجه من مبنى القنصلية المحترق، ممزق الثياب، كامد الوجه، منطفئ العينين. أما الفرق بين حال الرجل في الشريط الوثائقي وحاله في الصورة الفوتوغرافية، فهو كالفرق بين بهجة الحياة والاحتفاء بها، وبؤس القتل والموت الباعث على التقزز الذي تثيره مشاهد الرعب والسحل والإعدام والمجازر الأسدية في سوريا الثائرة على الطاغية الدمشقي، قرين الجزّار السادي معمر القذافي.


لم تشفع للسفير الأميركي مساهمته في إنجاح الثورة الليبية، ولا بهجته الغامرة بها – حين كان ممتلئاً بحيويته الفائضة، ومتنقلاً بين المغرب الأقصى وطرابلس الغرب وبنغازي، فرحاً بدبيب "الربيع العربي" وثوراته المتلاحقة – أدت الى تراجع القتلة عن تجريعه كأس المنيّة اختناقاً. كأن الرجل ذهب ضحية براءته وعفويته وابتهاجه بذلك "الربيع" وبمحطته الليبية، قبل أن يلقى مصيره عقاباً له على تصوير فيلم تافه لم يعلم بتصويره وعرضه ولا شاهده على الأرجح، ولا يزال غامض المصدر غموض مصدر الشائعات وصناعتها وترويجها، ومن دون أن يثبت الفيلم على اسم محدد، إذ يجري تداوله بأسماء مختلفة: "محمد رسول الاسلام"، "الفيلم القبطي"، و"براءة المسلمين".

 

بيروت – بنغازي

 

مسيرة السفير المهنية ومصيره المأسوي، يذكّران بمسيرة الباحث الفرنسي الشاب ميشال سورا وبمصيره في بيروت أواسط ثمانينات القرن العشرين المظلمة. قبل انتقاله الى العاصمة اللبنانية، كان سورا مقيماً في دمشق حيث تلقى دروساً في اللغة العربية، ووضع أبحاثاً عن المجتمع والنظام في "سوريا الأسد"، وكان السبّاق في الكشف والكتابة عن المقتلة المروعة التي ارتكبها النظام الأسدي في حماة العام 1982. أما في بيروت الثمانينات، فتضامن الباحث مع قضايا تحرر الشعوب العربية الاسلامية، وخصوصاً قضية الشعب الفلسطيني الشريد ومقاومته. حتى أنه بذل جهداً فكرياً وبحثياً وتعاطفاً إنسانياً، لتفهُّم انعطاف التيارات والحركات القومية واليسارية العربية نحو إيديولوجيا إسلامية نضالية، ما بعد الثورة الاسلامية الخمينية في إيران. وهذا ما حمله على الاقامة باحثاً ميدانياً في باب التبانة، فوضع أحد أهم الابحاث الميكروسوسيولوجية عن ذلك الحي الشعبي العشوائي البائس، مفسراً آليات استعمال ساكنيه وقوداً في حروب إقليمية مدمرة، وآليات تكوّن "مشيخات الشباب" الأهلية وانتفاضاتها، وتحول إيديولوجيتها من عروبية يسارية الى إسلاموية رسالية ونضالية. لكن هذا كله لم يشفع لميشال سورا، ولم يجنّبه مصيراً شبيهاً بمصير السفير الأميركي في ليبيا. فإبان الموجة الأولى من بروز ما سُمِّي "الحركة الاسلامية" في ضاحية بيروت الجنوبية، في رعاية السيد محمد حسين فضل الله وخطابته الدعوية في مساجد الضاحية، وإبان خطف الرعايا الأجانب في بيروت أواسط الثمانينات، اختُطِف ميشال سورا على طريق مطار بيروت الدولي، بعد مدة قصيرة من اغتيال صديقه ومحاوره خليل عكاوي زعيم "مشيخات الشباب" الطرابلسية في باب التبانة. بعد مدة وجيزة من عملية الاختطاف أعلن خاطفو سورا الغامضون أنه "توفى" بمرض في الكبد أو المعدة، من دون أن يفرجوا عن جثته التي عُثر عليها في "حرش  القتيل" بعد حوالى عقد من السنين على موته الغامض.


اختلاط الفعل بالوهم والأحلام

 

براءة ميشال سورا الخصبة، صفاء سريرته وحيويته الفرحة بالحياة، وانعدام التقيّة السياسية والفكرية في سلوكه، شديدة الشبه بحال السفير الأميركي في شريط سيرته المقتضب. أما الصورة الفوتوغرافية المقززة التي وزّعها الخاطفون لسورا غداة "موته"، فتشبه ايضاً الصورة الفوتوغرافية للسفير الأميركي بعد إخراجه جسماً هامداً من مبنى قنصلية بلاده في بنغازي التي ساهم في إنقاذها من المجزرة القذافية. وقد يكون كشف سورا وكتابته عن مجزرة حماة الأسدية التي ظلت في الظل والكتمان، من الأسباب المؤدية الى مصيره المأسوي.


أما الفيلم الأميركي الذي أودى بحياة السفير ستيفنس في بنغازي – والأرجح أنه سيودي بحياة كثيرين في هذه الموجة من الغضبات الاسلاموية العاتية المندفعة كنار في "الربيع العربي" وبلدانه وسواها من ديار الاسلام، احتجاجاً على فيلم تافه وبذيء، غامض ومجهول المصدر كالشائعات – فيعرّض فئات واسعة في هذه البلدان والديار الى اختيار قديم متجدّد لثقافتها التي تخلط خلطاً محكماً لا فكاك له ما بين الهوية والدين والسياسة والفعل والصور والأوهام والأحلام وأشكال التعبير والعصبيات الأهلية والحوادث والوقائع وروايتها، وصولاً الى المكانة والقوة والماضي والحاضر، والشعور العميق بالمهانة والعظمة الجريحة في مرآة التاريخ. كأن العالم كله يتربص بالأمة وتاريخها وجماعاتها. هذا الخلط هو ما يجعل من أغنية وصورة ورسوم كاريكاتورية وشريط فيديو كليب وحفلة موسيقية راقصة، أكانت تافهة أم ذات قيمة، في مثابة شن حرب شعواء على الأمة وثقافتها وتراثها الحضاري، تستحيل مجابهتها بغير غضبة حربية مقابلة.


حملة إيجابية مضادة

 

في مقابل هذه الغصبة على نفاية سينمائية قليلة الرواج لولا توسلها بالبذيء والرخيص، اثارة نعرات "فقهاء الظلام" المتخصصين في تحويل ثقافة الاسلام وحضارته عقيدة ظلامية للأميين وأشباه الأميين في ضواحي المدن والارياف، أولئك الذين تركتهم الديكتاتوريات العربية حطاماً بشرياً وسجناء مصائرهم اليائسة منذ أكثر من ستة عقود، في مقابل هذا كله ظهرت على شبكة التواصل الاجتماعي حملة واسعة النطاق تحاول وضع الحادثة في نصابها الفعلي. مما ورد من كتابات استطلاعية وتعليقات وآراء واخبار في هذه الحملة، نقتطف:


- فيلم رخيص التكلفة، لا علاقة له بالإسلام ونبيّه، جرت عمليات مونتاج ودوبلاج وخدع بصرية لإظهاره مسيئاً للرسول، نُشر على "يوتيوب" منذ تموز الماضي، من دون أن ينتبه له احد، الا في ذكرى 11 ايلول.


- تحت صورة فوتوغرافية لشبان تونسيين شاركوا في الغضبة على الفيلم، كتب احدهم: الغيورون على الدين الاسلامي ونبيّه يسرقون معدات من المدرسة الاميركية في تونس. وتحت صورة أخرى من طرابلس اللبنانية، كتبت احداهن: أتمنى ألاّ يكون بين المخرّبين في طرابلس من يحلم بالهجرة والاستقرار في بلد الشيطان الأكبر. مدوّنة أخرى كتبت: اتضح ان الجهة المنتجة للفيلم هي مطعم KFC، فرع طرابلس. هذا فيما كتبت مدوّنة ثالثة: في سكة زمان ماشيين، في نفس المكان ضايعين.


- من الشعارات التي رفعها شبان سوريون في تظاهرات نهار الجمعة الفائت: يومياً تُعرَض في سوريا افلام تسيء الى لله والرسول، فأين انتم يا مسلمين. لدينا فيلم أسدي يعرض منذ 18 شهراً يسيء الى الرسول وربّ الرسول.


- الصحافي المصري وائل عبد الفتاح كتب في صحيفة "التحرير" القاهرية: أعرف مشايخ يتبخترون في قصور بنوها من فتاوى تكرّهك بالحياة. أعرف حكايات عن مشايخ غارقين في شهوانية جامحة للحياة... يمضغونها يأكلونها شرهين بأموال جمعوها من شرنقة كراهية الحياة. (الفيلم) صيد يشعل به هؤلاء سوق الكراهية. الشيخ المفتقد لنجومية المونولوجيست وجد فرصة ليمنح بذاءته قيمة الدفاع عن الرسول.


أخيراً: كتب القطب الإخواني المصري خيرت الشاطر على "تويتر" رسالة باللغة الانكليزية معزياً الرئيس والشعب الاميركيين بمقتل السفير ستيفنس في بنغازي، ومستنكراً حرق القنصلية. وكتب رسالة اخرى بالعربية الى الشعب المصري يحضه على التظاهر والاحتجاج ضد السفارة الاميركية في القاهرة. أما أحد الشبان العاملين في مبنى السكن الطالبي للجامعة الاميركية في حي الزمالك، فقال لزميله: أرأيت؟ الليبيون "أكدع" منا نحن المصريين.



الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
سيف الإسلام القذافي يخطط للترشح لرئاسة ليبيا
اشتباكات غرب طرابلس... وحكومة «الوحدة» تلتزم الصمت
رئيس مفوضية الانتخابات الليبية: الخلافات قد تؤخر الاقتراع
خلافات برلمانية تسبق جلسة «النواب» الليبي لتمرير الميزانية
جدل ليبي حول صلاحيات الرئيس القادم وطريقة انتخابه
مقالات ذات صلة
دبيبة يواصل مشاورات تشكيل الحكومة الليبية الجديدة
كيف تتحول الإشاعات السياسية إلى «أسلحة موازية» في حرب ليبيا؟
لقاء مع غسان سلامة - سمير عطا الله
المسارات الجديدة للإرهاب في ليبيا - منير أديب
ليبيا من حالة الأزمة إلى حالة الحرب - محمد بدر الدين زايد
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة