|
مع أن الحديث في موضوع قانون الانتخاب قد يبدو مبتذلاً وفيه الكثير من الترداد، فان السجال الدائر في الوسط السياسي يدعونا الى التفكير في حلٍ يمكن ان يوفق بين الهاجسين اللذين يبدو انهما يحكمان موقف كل من الفريقين المتخاصمين 8 و 14 آذار.
لا بد من التنويه بداية بالسجال القائم لأنه – مع كونه سجالا يوتر الاجواء ويؤخر اقرار قواعد المنافسة المقبلة لتكوين النخب الحاكمة – يفتح على مصراعيه باب الاصلاح السياسي في لبنان. فما هما الهاجسان اولاً؟
1 - الهاجس الاول ناتج عن التداخل السكاني الطائفي غير المتوازن في مختلف المناطق اللبنانية. ففي حين يعتبر التداخل السكاني الطائفي امراً حسناً لا بل بركة وميزة للبنان، اذا اراد فعلاً ان يكون نموذجاً للعيش معاً بين اناس من اديان ومعتقدات مختلفة، وان يكون فعلاً صاحب رسالة للحوار بين الثقافات والاديان، إلا أن هذا التداخل يُنتج إرباكاً اكيداً في مجال التمثيل السياسي لأن التداخل، او الاختلاط السكاني هذا، يؤدي الى ضياع تمثيل الفئات التي تكون اقلية طائفية في كل دائرة. والسبب المؤسف في ذلك هو ان الاكثريات هي للآن اكثريات ليس فقط طائفية ولكن صاحبة اجندة طائفية واحياناً مذهبية او دينية. ففي هذه الحال يصبح المواطنون من الطوائف الاخرى والمسجلون في الدائرة نفسها شهود زور. فلا قيمة ولا وزن لرأيهم وفي حال كان لهم مقعد نيابي او اكثر فإن الاكثرية من الطائفة الاخرى هي التي تسمي المرشحين بل كل النواب لأن المرشح يصبح نائباً دون جهد كبير.
السبب الرئيسي في هذه الحال يعود الى تشكل عصب طائفي ومذهبي لدى الطوائف الاسلامية، بفعل عوامل مختلفة لن ندخل الآن في تعدادها وتحليلها. والسبب الثاني هو غياب الاجندات السياسية بالنظر الى ضعف العمل الحزبي المؤسسي في كل الطوائف وانسياق المواطنين عاطفياً وانفعالياً وراء شعارات وقيادات غالباً ما هي اسيرة الذاكرة.
هاجس الوزن السياسي والصدق في التمثيل هو بصورة رئيسية هاجس لدى المسيحيين وإن كان متفاوتاً بين القوى السياسية المسيحية المتصارعة.
2 - اما الهاجس الثاني فهو هاجس تشكيل اكثرية حكم لدى كل من القيادات في الطائفتين السنية والشيعية. ولا بد للمناسبة من الاشارة الى ان دينامية الحياة السياسية في لبنان ليست – ولا يمكن ان تكون – معزولة عن مجمل الصراع السني/الشيعي في المنطقة العربية وفي الشرق الاوسط على وجه العموم. ولا نتجاهل ان هذا الصراع المذهبي له حيثياته وهو يفضي الى توجهات سياسية وتحالفات دولية كبرى في ظل خلط اوراق جارٍ حالياً بازاء الازمة السورية المتفاقمة.
فها هو لبنان الذي يتأثر ولا يؤثر – كما يردد ساستنا دون شعور بالخجل او الاسف – يربط نفسه بالصراع الاقليمي والدولي وتراهن قياداتنا كل منها على ربح فريق اقليمي او دولي، لتربح هي في لبنان وتعزز مواقعها.
من الناحية العلمية الصرف، لكل نظام انتخابي حسناته وسيئاته. فالنظام الاكثري اسهل في التطبيق وهو الافضل بدون منازع في الدوائر الفردية، وحتى في هذه الحال يذهب البعض الى اعتماده على دورتين لتشجيع التحالفات على مستوى مختلف المناطق. لكن مساوىء النظام الاكثري تكبر كلما كبرت الدوائر وهو يصبح تزويراً لارادة الناخبين اذا جاء تقسيم الدوائر كبيراً جداً – كأن تعتمد المحافظة الحالية دائرة انتخابية – فالنظام الاكثري يقصي فئات واسعة من التمثيل، وهو لا يحقق التمثيل الصحيح والسليم.
اما النظام النسبي فحسناته كثيرة واولها انه يحقق التمثيل الصحيح ولكن على عكس النظام الاكثري فحسناته تزداد مع كبر الدوائر ويصبح من دون مضمون كلما صغرت الدوائر. ومن اهم حسناته انه يعطي مكاناً تحت الشمس لكل اتجاهات الرأي وبشكل نسبي وهو يشجع على عقد التحالفات السياسية وبناء اجندات سياسية واسعة وغير فئوية. وربما كان الاهم من كل ذلك انه يعطي فرصة للرأي الآخر في كل الجماعات، من العائلة الى العشيرة، الى المذهب، الى الطائفة...
بالنظر الى تركيبة النسيج السكاني اللبناني ليس هناك من شك في ان المسيحيين عموماً ميالون الى الدوائر الصغرى وإن كان في ذلك اتجاه محافظ متقوقع. لكن تصاعد الموجات السياسية التي تستند الى الدين هو سبب مباشر في هذا الاتجاه المحافظ.
لكن من الواضح ان الاختلاف بالرأي بين المسيحيين اليوم حول افضل نظام انتخابي يعود الى حسابات كل من الفريقين للأكثرية التي يمكن ان تتشكل في ظل هذا النظام الانتخابي او ذاك. اما ما سمي المشروع الارثوذكسي فهو "فزاعة" استعملت لطرح مشكلة صحة التمثيل وهذا المشروع يتعارض اصلاً مع الدستور اللبناني الذي ينص على ان النائب يمثل الامة جمعاء. ان الحسنة الاكيدة من السجال القائم بين القيادات المسيحية هي انهم اطلقوا رصاصة الرحمة على قانون الستين. لكن كيف نخرج من الحلقة المفرغة؟ كيف نضمن سلامة التمثيل من جهة وتعزيز الاتجاه القائم على عقد تحالفات سياسية ما بين الطوائف؟
نعتقد ان هناك امكاناً للتوفيق بين صحة التمثيل والتحالف العابر للطوائف من خلال اعتماد نظام الدورتين: دورة اولى تأهيلية على مستوى دوائر فردية او صغرى ودورة ثانية على مستوى الدوائر المتوسطة او الكبرى مع اعتماد النظام الاكثري في الاولى والنظام النسبي في الثانية.
ان نظاما من دورتين كهذا يحقق افضل تمثيل ممكن لاتجاهات الرأي العام من جهة ويبقي على مبدأ الانفتاح على تحالفات عابرة للطوائف لأن هذا التوجه ينقلنا من الطائفية الى السياسة. من الطبيعي ان يعتمد كل فريق سياسي سلسلة حجج تسند الخيار الافضل بالنسبة اليه. لكن الحياة السياسية في بلد ليبرالي – ولا نقول ديموقراطياً – مفتوحة حكماً على التطور. وبالتالي فإن احترام صحة التمثيل هو هدف اساسي بدون شك وكذلك دعم وتشجيع التحالفات العابرة للطوائف. والاهم من كل ذلك ان نظام الدورتين يوسع مروحة الفرص وقد يساهم في تفكيك الاصطفاف والاستقطاب المذهبيين الحاصلين حالياً. ويفتح الباب لاخراج النزعات الطائفية للهيمنة ويدخل مكانها هاجس العمل السياسي المتطور والمتصل بحياة الناس اليومية وبآمانيها لرؤية لبنان افضل يخرج من أتون حروب اهلية نفذها اللبنانيون تحت تأثير آخرين وبتمويل منهم وهي لم تجدهم نفعاً. فهل يتَّعظون؟
كان لا بد لنا من ابداء هذا الرأي عله يوسع دائرة الخيارات امام ساستنا، لأن دائرة النقاش كانت للآن محصورة بالذكور وقد تناسى ساستنا ان نصف الناخبين هم من النساء.
مديرة معهد العلوم السياسية في جامعة القديس يوسف |