الجمعه ٢٠ - ٣ - ٢٠٢٦
 
التاريخ: كانون ثاني ٣١, ٢٠١٣
المصدر: جريدة الحياة
الربيع العربي: الآمال المعلقة والديموقراطية المؤجلة - إميل أمين
عامان انصرما على ذاك الذي جرى في عدد من الدول العربية، وهو صحوة في كل الأحوال: ذلك لأن إفرازها الحقيقي المؤكد، دون تهوين أو تهويل، هو التغيير الحقيقي في الشخصية العربية، حتى وإن كان سلباً، وليس شرطاً أن يكون إيجابياً بالمطلق في الفترة الانتقالية، وكسر التابوات، والقفز فوق الطموحات، وتناول الحديث عن أي من المحرمات، عطفاً على مساءلة الأيقونات. ولهذا فإن لا أحد يعتقد أن بإمكان العالم العربي أن يغير اتجاهه ويعود إلى تلك الحالة التي وصفها أديب فرنسا الكبير أندريه مالرو في مذكراته «لا مذكرات» بأنها «النوم العميق الذي لا يقهر الذي تغط فيه الشعوب العربية والإسلامية».
 
على أن الربيع أو الصحوة العربية ومع بدايات العام الثالث لمولده، وإن كان المولود حتى الساعة أقرب إلى السقط، يستدعي علامات استفهام حول علاقته بما يزعم البعض أنه المؤامرة التاريخية في لحظتها الآنية، ويذهب آخرون إلى أنها الاستراتيجيات الكبرى لحكام العالم الحقيقيين من الطبقة الخارقة التي لا تظهر أبداً على السطح.
 
حتى الساعة ما من جواب شاف حول ذاك الذي جرى وهل كان مصادفة موضوعية أم قدرية، أم أنه جزء من مخطط أوسع حتماً ستتكشف أبعاده لاحقاً.
 
ضمن الأسئلة الجوهرية التي يعن للمرء طرحها: هل جاءت الصحوة العربية لتنهي الثنائية التي استمرت طويلاً والحالة الحدية التي لا تزال سائدة ووضعت الشعوب العربية أمامها للاختيار بين أمرين أحلاهما مر: «سندان» الفاشية والنظم الديكتاتورية و»المطرقة» الأميركية في تحالفها المعلن أقله، والخفي غالباً، مع تيارات الإسلام السياسي؟
 
من خلال رصد كمي ونوعي للتظاهرات السياسية، والوعي المجتمعي للحالتين التونسية والمصرية، يمكن للباحث ودون عناء رصد ظهور فصيل ثالث، أقرب إلى فكرة الطريق الثالث للتيارات العلمانية واليسارية، وذات الهويات والانتماءات الدينية المغايرة، لاسيما ذات الأوزان منها كالأقباط في مصر. وحتى مع عدم مقدرة هذه الجماعة الوليدة على بلورة اتجاه واضح لها، فمع التجربة والحكم سيشهد الاستقبال وليداً جديداً، لديه من الأدوات المعرفية والتجربة التي اكتسبها من المعرفة الانتقالية، ما يؤهله للمناقشة بثوب وطني خالص لا شرقي ولا غربي، وبعيداً عن رداء الفاشية أو الدوغمائية والهيمنة الغربية.
 
ضمن النتائج التي تتحدث عن نفسها وتتصل اتصالاً وثيقاً بالصحوة العربية وصول تيارات الإسلام السياسي إلى الحكم. غير أن تجربتهم من تونس إلى ليبيا وصولاً إلى مصر تؤكد بجلاء وموضوعية تامين، أن هناك قصوراً شديداً في فهم أبعاد التعددية الديموقراطية، وعدم قدرة الواصلين إلى كراسي الحكم على التوصل إلى بدائل تقنع خصومهم، وتجتذب معارضيهم. ولهذا رأينا محاولات العزل والإقصاء بطريق أو آخر، سراً وجهراً، فكانت الانتخابات والاستفتاءات تجرى إما برسم ديني أو طائفي. ولهذا فإن كل نتيجة تأتي مشوهة، ما يؤكد الفراغ السياسي القائم الذي لم تملأه أنظمة تلقى إجماعاً جماهيرياً أو نخبوياً، وصار طبيعياً أن تسود الأجواء حالة تشظٍ مجتمعي.
 
العامل الاقتصادي بدوره يلعب دوراً فاعلاً ومؤثراً جداً، وهو يكاد ينحو إلى ظاهرة كارثية على صعيد الاقتصاديات الداخلية، لاسيما في تونس ومصر، وهما بلدان غير حائزين ثروة نفطية وغازية مثل ليبيا. وفي هذا السياق يسود المشهد بعدان مثيران، الأول من قبل بعض القوى الساعية لإيجاد موضع قدم لها في التاريخ، عبر نفوذ مالي لثروة وجدتها ولم توجدها، كما أوجد الغرب ثرواته التراكمية عبر منظومة العلم والعمل، وهذه إشكالية كارثية قائمة بذاتها، وعبر أذرعها المالية تنفذ أجندات لا تخلو من مصالح صغيرة جداً لها.
 
والثاني حالة الازدواج الأخلاقي الغربي المعتادة، من الأوروبيين والأميركيين على حد سواء. ذلك أن وعودهم المالية تقصر كثيراً جداً، إذا كانوا بالفعل يريدون ديموقراطية عربية حقيقية، عن أن تكون نواة تكتونية لمشروع «مارشال عربي» حقيقي ينتشل الشعوب البازغة إلى الحرية من حالة التردي بين الفاشية السياسية، والاستبداد العقائدي الملتبس والمتلبس بالثوب الديني.
 
والكارثة الكبرى التي تواجه دول الصحوة تتمثل في زوال الطبقة الوسطى بفعل العامل الاقتصادي المهترئ، لاسيما كما يتضح في النموذج المصري. وعليه فأولى خطوات الإنقاذ العمل على تماسك تلك الطبقة، وإلا بقي الحل معلقاً برقبة المؤسسة العسكرية!
 
حكماً كانت الدول العربية خارج السياقات التاريخية لموجة الديموقراطية الثالثة التي شهدها العالم في أعقاب انهيار جدار برلين، ومع الصحوة العربية تساءل الكثيرون: هل بات الشرق الأوسط على موعد مع الديموقراطية؟
 
حتى الساعة لا أحد يملك الرد. ذلك أن طرح القضايا يبدأ من الذات، ونحن دوماً ننتظر الجواب على قضايانا المصيرية من الآخرين.
 
 
 
* كاتب مصري


الآراء والمقالات المنشورة في الموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الشبكة العربية لدراسة الديمقراطية
 
تعليقات القراء (0)
اضف تعليقك

اطبع الكود:

 لا تستطيع ان تقرأه؟ جرب واحدا آخر
 
أخبار ذات صلة
منظمة حقوقية مصرية تنتقد مشروع قانون لفصل الموظفين
مصر: النيابة العامة تحسم مصير «قضية فيرمونت»
تباينات «الإخوان» تتزايد مع قرب زيارة وفد تركي لمصر
الأمن المصري يرفض «ادعاءات» بشأن الاعتداء على مسجونين
السيسي يوجه بدعم المرأة وتسريع «منع زواج الأطفال»
مقالات ذات صلة
البرلمان المصري يناقش اليوم لائحة «الشيوخ» تمهيداً لإقرارها
العمران وجغرافيا الديني والسياسي - مأمون فندي
دلالات التحاق الضباط السابقين بالتنظيمات الإرهابية المصرية - بشير عبدالفتاح
مئوية ثورة 1919 في مصر.. دروس ممتدة عبر الأجيال - محمد شومان
تحليل: هل تتخلّى تركيا عن "الإخوان المسلمين"؟
حقوق النشر ٢٠٢٦ . جميع الحقوق محفوظة